سخريّات ليليّة ( 3 ): رُدَّ القميص عافاك اللّه!

 

حدّثنا شيخنا أبو عثمان الجاحظ عن أحد لطاف البخلاء واسمه زبيدة قال:

سكر زبيدة ليلة فكسا صديقا له قميصا. فلمّا صار القميص على النديم خاف البدَواتِ وعلم أنّ ذلك من هفوات السكر، فمضى من ساعته إلى منزله فجعله بُرنكانا لامرأته. فلمّا أصبح سأل عن القميص وتفقّده، فقيل له: إنّك قد كسوته فلانا. فبعث إليه، ثمّ أقبل عليه، فقال: أما علمتَ أنّ هبة السكران وشراءه وبيعه وصدقته وطلاقه لا يجوز؟ وبعد، فإنّي أكره ألاّ يكون لي حمدٌ، وأنْ يوجّه الناس هذا منّي على السكر، فرُدَّه عليّ حتّى أهَبَه لك صاحيا عن طيب نفس، فإنّي أكره أنْ يذهب شيء من مالي باطلاً. فلمّا رآه صمّمَ أقبل عليه فقال: يا هناه ( منادى نكرة ). إنّ الناس يمزحون ويلعبون ولا يؤاخذون بشيء من ذلك، فرُدَّ القميص عافاك اللّه. قال له الرجل: إنّي واللّه قد خفت هذا بعينه، فلم أضع جنبي إلى الأرض حتّى جيّبته لامرأتي وقد زدتُ في الكمّيْن وحذفتُ المقاديم. فإنْ أردتَ بعد هذا كلّه أنْ تأخذه فخذه. فقال: نعم آخذه، لأنّه يصلح لامرأتي كما يصلح لامرأتك. قال: إنّه عند الصبّاغ. قال: هاته! قال: ليس أنا أسلمته إليه. فلمّا علم أنّه قد وقع قال: بأبي وأمّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حيث يقول: جُمِع الشر كلّه في بيت، وأُغْلق عليه فكان مفتاحه السكر!

 

تذكّرت نادرة زبيدة مع نديمه الماكر ليلةَ فاجأني أحدهم ليطالبني بالتصديق على إمضاء مساندة يدّعي أنّي وافقت عليه مبدئيّا في ليلة من اللّيالي! وأُفحمت حقّا وسُقِط في يدي حين أخرج من محفظته الجلديّة السوداء حزمة من الأوراق والملفّات المشوّشة واستلّ من بينها في حركة رشيقة ورقة عليها قائمة اسميّة طويلة في لجنة المساندة. وسألت صديقي خجلاً عن مضمون المساندة، فقال متبرّما: لمَ تسأل كثيرا. ألم نقل – ليلتها ! – إنّها مساندة للكفاح النقابيّ، فقلت حائرا: كفاح من ضدّ من؟ وهل لهذا الكفاح صلة بالمنظّمة النقابية الأمّ؟

وما أنْ نطق لساني باسم المنظّمة حتّى امتقع وجه صديقي وتبدّل لونه ومال إلى الخضرة، وصاح مؤنّبا: إنْ كنتَ ندمتَ سأسحب إمضاءك. وهو للعلم لا يؤثّر، فقائمة المساندة الدوليّة والوطنيّة طويلة طويلة. ولمّا أعيتني السبل في إقناعه بأنّ الإمضاء على عريضة مساندة يقتضي وجود نصّ مكتوب يكون بمثابة العقد القرائيّ والأدبيّ بين الممضي وموضوع المساندة. وأعيتني الحيلة في إقناعه بأنّ أُطُرَ المساندة لمثل هذه العرائض ليست، في مطلق الأحوال، في مثل هذه الأماكن وفي مثل هذه الأوقات! وأنّ استحصال مساندة أو إمضاء يكون بلا تغرير ولا تضليل ولا تقويل ولا تلبيس ولا تحويل للكلام عن وجوهه..ساعتها سحب صديقي اللّيليّ قلمّا أحمر من جيب سترته يبدو أنّه يحتفظ به للّحظات المناسبة، وبجرّة قلم واحدة شطبَ على اسميّ وقذف بي خارج لجنة المساندة. غير أنّي وعلى الضوء الخافت المنبعث من ركن المقهى تهجّيت الاسم: فلان الفلانيّ. وقرأت أمامه رقم هاتفي المحمول. أمّا الصفة فكانت: شيوعي ثوريّ!

 

غادرت الطاولة لهول المفاجأة ذلك أنّي لم أكن – لسوء الحظّ أو لحسنه – شيوعيّا، فكيف بالشيوعيّ الثوريّ؟ وأنذرت المناضل ذا النظّارتيْن السميكتيْن بأنْ لا يعود إلى وضع اسمي على قائمة شبحيّة لمساندة الشيطان، ودعوته أنْ لا يخرج هذه العرائض في حلقات ما بعد منتصف اللّيل احتراما لعقولٍ دفع الناس من أموالهم ليريحوها بعض الوقت أو على الأقلّ تعفّفا عن مناصرة المضاحيك وشُرّاب النبيذ!

على مدارج المقهى ردّدت، دون أن أشعر، مقالة زبيْدةَ: بأبي وأمّي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حيث يقول: جُمع الشرّ كلّه في بيت وأغلق عليه فكان مفتاحه السُّكْر!

Advertisements

ما يتهدّد الديمقراطيّة، بقلم تزفيتان تودوروف / ترجمة مختار الخلفاوي

خرجت الديمقراطيّات ظافرة من مواجهتها ضدّ الشموليّة، ولم تعد مهدّدة تهديدا جدّيا من خطر التيوقراطيّات التي تقوم هنا أوهناك، على أنّ ما يهدّد الديمقراطيّة، فعلا، هي الانحرافات المتأتّية من داخلها.
إنّ الديمقراطيّة اللّيبراليّة تقوم على مبدأين أو صيغتيْن سياديّتيْن: سيادة الشعب المحقّقة للمساواة بين كلّ المواطنين والدفاع عن الصالح العامّ من جهة، وحرّية الأفراد داخل مجال تخلّص من الضبط الجماعيّ، من جهة ثانية. ولئن كان هذان المبدآن لا يتعارضان تعارضا مباشرا فإنّهما، أحيانا، يشهدان توتّرا بينهما. والسبب من وراء ذلك أنّ سلطة الشعب وضعت بين أيدي قادته، والحال أنّ هؤلاء القادة بشرٌ كسائر الناس. وكان ” مونتسكيو ” الممثّل الأوّل للفكر اللّيبرالي في فرنسا يحذّر، حينها، من ذلك الأمر بقوله ” أثبتت التجاريب أنّ صاحب السلطان محمول على استغلال النفوذ..”
وللتخفيف من هذا الخطر، ساعدت الديمقراطيّات على قيام تعدّديّة مزدوجة الأطراف: تعدّديّة حزبيّة تضمن التنوّع في الآراء السياسيّة، وتعدّديّة في صلب السلطة متى تجسّد عملها في مؤسّسات مستقلّة فإنّ بعضها يحدّ من غلواء بعض. أمّا استغلال النفوذ فيتمثّل في الاستبداد بالسلطة واحتكارها. ولنا في الإدارة الأمريكيّة السابقة مثالٌ على ذلك. فلقد وصلت هذه الإدارة إلى حدّ تقنين التعذيب بتعلّة أنّ ذلك ممّا تقتضيه مصلحة الدولة. في فرنسا، تتّخذ التهديدات الموجّهة إلى الديمقراطيّة شكلا آخر. والمثال الكلاسيكي على استغلال النفوذ هو سعي السلطة التنفيذيّة إلى التأثير في سير العدالة. وهكذا، رأينا رئيس الجمهوريّة يحرّك تتبّعات قضائيّة في قضيّة ( كليرستريم – Clearstream (1) ) ليصير، في الوقت نفسه، الخصم والحكم. “لديّ ثقة في العدالة”. هكذا صرّح الرئيس ليظهر حياده، وكان عليه أن يضيف: “مادامت خطّة القضاء تحتَ امرتي !” خلال فصل الصيف، شغلت الناسَ محاكمة أخرى (المعروفة بمحاكمة “عصابة الهمّج” – gang des barbares ( 2 ) ). غداة المحاكمة، طالب الممثّلون الرسميّون للطائفة اليهوديّة بتشديد الأحكام، فاستجاب القضاء على الفور. وبذلك، فقد وضعت العدالة نفسها في خدمة مجموعات الضغط والاعتبارات الفئويّة.
ولم يكنْ لرئيس نقابة القضاة إلاّ أنْ يسجّل، بأسف، أنّ السياسة قد أحكمت قبضتها على العدالة.

أمّا استقلاليّة وسائل الإعلام الكبرى تجاه السلطة التنفيذيّة فهي مسألةٌ لا تقلّ قيمةً. صحيح أنّ فرنسا لم تبلغ درجة ما بلغته إيطاليا من خلط بيْن الإعلام والسلطة، حيث يشرف رئيس الحكومة ( بيرلسكوني – المترجم ) على عدّة قنوات تلفزيّة عموميّة، ويمتلك، في الوقت نفسه، بعض القنوات الخاصّة.
ومع ذلك، وبحسب تحويرات تشريعيّة جديدة، فإنّ الحكومة صارت هي التي تعيّن المسؤولين عن وسائل الإعلام العموميّة وليس هيئة مستقلّة. كان التبرير الذي قُدِّم لهذا التحوير مثيرا للضحك. يزعم هذا التبرير أنّ التحوير حصل لاطّراح النفاق جانبا لأنّ تلك الهيئة “المستقلّة” كانت، على كلّ حال، تنصاع للأوامر !
ومن المعلوم حقّ العلم أنّ النفاق هو ظهور الرذيلة في ثوب الفضيلة. وبالإمكان إزالة النفاق بطريقتيْن متعاكستيْن: فإمّا عبر فضحه، وإمّا عبر محاولة إقصائه. وهكذا، فقد نُظِر إلى التعيينات التي أعقبت هذا القرار على أنّها مرتبطة بمصالح شخصيّة. وفي الاتّجاه ذاته، تفهم عمليّات الترهيب التي عانى منها عددٌ من الصحفيّين، فوقع التحفّظ على محرّر من جريدة ( ليبراسيون – Libération)، وأُخضع لعمليات تفتيش مهينة في قضيّة تشهير، ولقي صحفيّ من جريدة ( لوموند – Monde ) المعاملة نفسها لأنّه غطّى تظاهرة اُعْتُبِرت غير مرغوب فيها. لكيْ تظلّ السلطة التنفيذيّة وفيّة لمبادئ الديمقراطيّة، ينبغي عليها أن تحافظ على استقلاليّة السلطات الأخرى محافظتهاعلى استقلاليّة بعض الأنشطة كالبحث عن المعرفة.
كان ( كوندورسيه – Condorcet )، وهو ممثّل آخر للفكر اللّيبراليّ، قد عبّر عن هذه الحاجة زَمَنَ الثورة على النحو التالي: “ليس من حقّ السلطة العموميّة تقرير أين تسكن الحقيقة وأين يوجد الخطأ.” هذا الحظر قد وقع انتهاكه بمناسبة “قضيّة غيسير Vincent Geisser “، في الصائفة المنقضية. بدأ ( فانسون غيسير )، وهو باحث في المركز الوطنيّ للبحث العلميّ ( CNRS )، تحقيقا يتناول المدرّسين المنحدرين من أصول مغاربيّة مهاجرة. في العام 2007 ، طلبت منه الإدارة التوقّف عن بحوثه. واكتشفنا، بهذه المناسبة، أنّ بالمركز (CNRS )”مسؤولا عن الأمن والدفاع” مكلّفا بمراقبة الدراسات السوسيولوجيّة والسوسيوسياسيّة التي تعتبر حسّاسة، وبخاصّة تلك الدراسات عن الإسلام. كما علمنا، أيضا، أنّ هذا الضرب من التدخّلات لم يكن أمرا استثنائيّا وأنّ ذلك المسؤول ذاته قد كتب إلى باحثين آخرين ليعبّر عن رفضه لآرائهم وبحوثهم. وفي أساس الموضوع، فإنّ قرار المركز يبقى محيّرا: هل ينبغي أن تحظَر البحوث خشية من أنّ نتائجها لا تعجب السلطة؟ تماما، كما لو أنّنا نكسر كلّ موازين الحرارة لكيْ نتيقّن من أنّ الحمّى ليست شديدة.

إنّ المبادئ الأخلاقية التي قبل بها الجميع تؤشّر على تحديد مخصوص لممارسة السلطة السياسيّة. كان بينجامين كونستان (Benjamin Constant )، وهو رائد آخر من روّاد الفكر اللّيبراليّ، يؤكّد، في بداية القرن العشرين، أنّ “قانونا يحضّ على الوشاية ليس قانونا. وأنّ قانونا يحظر تقديم ملاذ لمن التجأ إلينا ليس قانونا.” على أنّ المادّة (L. 622-1) من قانون الأجانب ينصّ على أنّ كلّ مَن يقدّم مساعدة إلى شخص أجنبيّ بلا وثائق قانونيّة – ولو بتقديم وجبة طعام – يعاقب بخمس سنوات سجن، ويغرّمُ بـ 30000 أورو. وعلى الرغم من إنكار وزارة الهويّة الوطنيّة، فإنّ ذلك التهديد قد وضع، فعلا، في طور التنفيذ لإفشال كلّ عون يمكن أن يقدَّم لهؤلاء المنبوذين. وفي نفس الإطار، ووجهت التظاهرات المساندة لهم بعنف حتّى أنّ أحد المشاركين فيها فقد إحدى عينيه على يد الشرطة.

لعلّ التعدّدية القائمة على استقلال السياسيّ عن الاقتصاديّ أنْ تكون الأساس المهمّ للمسار الديمقراطيّ. وهذه الحاجة تستلزم من القادة السياسيّين نقاء أخلاقيّا، فعلى سلطتهم وسداد آرائهم تترتّب التزامات أدقّ من التزامات المواطنين العاديّين: سلوكهم ينبغي أن يكون مثالا يحتذى، فلا يعرّضون أنفسهم لشبهات المحاباة والتواطؤ مع القوى الاقتصاديّة أو العمل هنا وهناك في الوقت نفسه، ولا أنْ يستفيد أقاربهم من الامتيازات المخوّلة لهم لتحقيق منافع خاصّة. إنّ المحسوبية و”الزبونيّة” والفساد ليست اختراعات مستجدّة، غير أنّها تبقى أمورا غير مقبولة. لقد وضعت استقلاليّة الفعل الاقتصادي موضع التساؤل تحت حكم النظام الشموليّ الذي فضّل الخيارات السياسيّة على ما عداها ( متاجر فارغة، خصاصة دائمة ). أمّا الآن، فإنّ استقلاليّة السياسيّ هي المعرّضة لضغوط تأتي من جهات عدّة. وجعلت العولمة من الفاعلين في الحياة الاقتصاديّة خارجين عن مراقبة الحكومات المحلّية: عند العقبة الأولى، تقوم الشركات المتعددة الجنسيات بنقل مصانعها إلى بلد أكثر حفاوة. وفي داخل كلّ بلد، لا تدع أيديولوجيا الغلوّ اللّيبراليّ مجالا كافيًا للفعل السياسيّ.
إنّه من الواجب أن يقع تمييز هذه الأيديولوجيا عن الفكر اللّيبراليّ الكلاسيكيّ. ففي حين يحترم الفكر اللّيبراليّ الكلاسيكيّ تعدّد القدرات والمبادئ ويدافع عنها، فإنّ اللّيبراليّة المتطرّفة ليبراليّة أحاديّة ترمي إلى إخضاع المجتمع إلى قوّة واحدة هي قوّة السوق غير المحدودة. تنطلق هذه اللّيبراليّة المتطرّفة من مصادرة أنتربولوجيّة غريبة مفادها أنّ الفرد مكتف بنفسه، وتختزل هذا الفرد المزعوم في حيوان ذي احتياجات اقتصاديّة صرف، ثمّ لا تترك أيّ مجال للسلطة السياسيّة رغم أنّها المسؤولة عن المصلحة العامّة.
إنّ المَلكيّة، وإنْ كانت انتخابيّة، ليست هي الديمقراطيّة. فمن الناحية النظريّة، تظلّ مؤسّساتنا وفيّة للمبادئ الديمقراطيّة، ولكنّها، في الممارسة، قد تتحوّل إلى مجرّد واجهات لسلطة فرديّة مطلقة. كيف، إذن، نطلب من السكّان ما ليس في قادة البلاد؟
إنّ الديمقراطيّة تقوم على توازن هشّ بين مكوّنات المجتمع. وفي هذه اللّحظة، ثمّة دلائل كثيرة تشير إلى أنّ هذا التوازن معرّض للخطر.

* عن جريدة ( لومند ) 15 – 11- 2009
* تزفيتان تودوروف ( Tzvetan Todorov ) فيلسوف وناقد ومؤرخ فرنسيّ بلغاريّ الأصل. ولد في صوفيا سنة 1939. هاجر إلى فرنسا عام 1963 وعمل مديرا للأبحاث في المركز الوطني للأبحاث العلمية، وأصدر عشرات الكتب نشرت في أكثر من 25 لغة. آخر مؤلّفاته مُتَخَيَّر من المقالات والبحوث يرصد مسيرته الفكريّة عنوانه (Seuil, 474 p . – La Signature humaine ).

الهوامش:
1. قضيّة كليرستريم (Clearstream ) : قضيّة ماليّة سياسيّة تورّط فيها ساسةٌ ورجال مال في فرنسا. عرفت كليرستريم ( 1) سنة 2001، ثم كليرستريم ( 2) سنة 2004.
2. قضيّة عصابة الهمّج ( gang des barbares ): تتعلّق بمحاكمة قتلة الشاب اليهودي إيلين حليمي في فرنسا سنة 2006 من قبل عصابة تطلق على نفسها هذا الاسم. وتمّت محاكمة القتلة في أفريل سنة 2009 وأثارت جدلا واسعا.

سخريات ليليّة ( 2 ): كشف الغمّة بمَقَاتِل حكّام الأمّة

كشف الغمّة 

 بُشرى لشعوب الأمّة العربيّة الصبورة. لقد توصّل فريق من علماء الفلك والسَّحَرَة العرب إلى اكتشاف سحر قاطع نافذ يخوّل التخلّص من أولي الأمر من حكّام الأمّة دون إراقة قطرة دم واحدة ودون المرور بمآسي الثورات والانتفاضات والانقلابات التي جرّت على العالمين الويلات.

على أنّ هذا السحر الحلال سيكون، في المستقبل، إسهامًا عربيًّا في دورة المدنيّة والديمقراطيّة وإشكاليّة الحكم نقايض به، إنْ وجدنا المكافئ، سائر الأمم والشعوب التي تدّعي أنّها حقّقت نهضاتها وحداثاتها من قرون. لكنّ دون هذا الطموح البعيد مراحل أسبق تتمثّل في تجربته في سياق داخليّ على الحكّام العرب.

ويؤكّد هذا الفريق البحثيّ صاحب براءة الاختراع أنّه بقدر ما تتزايد أعداد القائمين بهذا السحر من العرب والمسلمين تزداد فعاليّته في القضاء على أولي الأمر منّا قضاء مبرما. وما على كلّ عربيّ أو مسلم إلاّ اتّباع الخطوات التالية:

 

– الخطوة الأولى: رسمُ الختم التالي ( انظر الصورة ) بالحبر الأسود على ورقة بيضاء مع تحديد الحجم المراد. ثمّ الاحتفاظ به بعيدا عن الأعين.

 

    

    

  – الخطوة الثانية: الانفراد، ليلاً، في غرفة هادئة. ويحبّذ ذلك على الساعة الثالثة بعد منتصف اللّيل. ثمّ وضع الختم على مائدة أو مكتب وإشعال شمعتيْن ووضع كلّ واحدة منهما على جانب من جانبيْ الختم. ولا بأس باستبدال الشمعتيْن بعوديْن من البخور. ( يوصي الفريق من ” علماء ” الأمّة ” بأنْ تُتَخَيّر اللّيلة التي يكون فيها القمر ساطعا، ولكنْ قبل أنْ يكون تامّ الاستدارة. ويُعَلَّق العملُ بهذا الشرط إذا كنّا في عجلةٍ من أمرنا للتخلّص من حاكم طفح الكيل بشرّه أو أنْ يكون في قتله ردٌّ لخطر داهم ) المهمّ أنْ يكون التركيز موجّها إلى موت من تشاء من الرؤساء والملوك والسلاطين والأمراء.

– الخطوة الثالثة: إنعام النظر في الختم الماثل على الطاولة بين الشمعتيْن أو عوديْ البخور، ثمّ الاستنشاق بعمق لثلاث مرّات، وأثناء ذلك تركيز التخيّل على موت فلان أو فلان. عند الشعور بالارتخاء يقع ترديد التعويذة التالية:

زي. كي. يا. كان. با / زي. آنْ. نا. كان. با /

زي. دين. جير. كي. يا. كان. با /

زي. دين. جير. آنْ. نا. كان. با /

اسمعْني يا نينوم.

 ايتني بسلطان كاشديك.

وأجبْ طلباتي بموت فلان حاكم كذا وفلان حاكم كذا..

 

– الخطوة الرابعة: التمعّنُ في الختم مليّا واستحضار صورة الحاكم المقصود بقوّة وهو في ذمّة اللّه. التركيز على شيء واحد في تلك اللّحظات وهو رحيل الحاكم أو الحكّام المعنييّن إلى الرفيق الأعلى.

– الخطوة الخامسة: إنهاء الطقوس بتَكْرار تعويذة البداية. ثمّ الاستنشاق بعمق ثلاثا والتنقّل بين زوايا الغرفة مع تحسّس موجوداتها لتأكيد العودة إلى الحالة الطبيعيّة.

– الخطوة السادسة: تغطية الختم أو وضعه مع الشمعتيْن في مكان آمن بعيد عن الأيدي والأعين.

الآن، وبمقتضى هذه الطقوس، تمّ شحنُ الختم بطريقة سحريّة. وصار بالإمكان إعادة استخدامه للتخلّص من الحكّام المذكورين آنفا جملةً أو تفاريق على ألاّ يتجاوز ذلك ثلاث ليال متتالياتٍ لكلّ منهم.

 

تنبيه: يعلن كاتب هذه السطور أنّ الوصفة السحريّة المذكورة آنفا لا تلزم إلاّ أصحابها، وكما أنّ ناقل الكفر ليس بكافر فإنّ ناقل السحر ليس بساحر!

ونحتفظ بالختم إذا امتنع ظهوره في التدوينة لمن يهمّه الأمر.

أنا حلال دوت كوم: محرّك بحث حلال مائة بالمائة!

page intouvable

 

 

 

لم يعد من اللّائق بعد اليوم، أن يستعين المتصفح المسلم لشبكة الأنترنيت بمحرّكات بحث تحوم حولها الشبهات كغوغل وياهو. لقد صار عندنا محرّك بحث إسلاميّ حلال مائة بالمائة. هذا المحرّك الطاهر اسمه ( أنا حلال دوت كوم www.imhalal.com).

ففي هذا الشهر الكريم، سعدت باكتشاف هذا المحرّك الذي سيجعل منّا خير أمّة في السماوات وفي الأرضين، في عالم الغيب والشهادة، إذ سيسهم في توفير قاعدة بيانات عريضة منتقاة مفلترة وفق ما يقتضيه الشرع الحنيف. ولن يفاجَأ المتصفّح المسلم بصفحات المهرطقين والمثليين والإباحيّين وشذّاذ الآفاق تنفتح أمام ناظريه بكلمة من هنا أو هناك، وبكبسة زرّ عشوائيّة. ميزة هذا المحرّك الربّاني الذي يعمل وفق تقنيّات ” عالية ” فلترة النتائج الدنسة والوصول إلى النتائج الحلال دون الخشية من العثور على محتويات تخالف العقيدة السمحة. سيتحمّل هذا المحرّك بدلا عن المتصفّح عناء التمييز بين الخير والشرّ، والجائز وغير الجائز، والحرام والحلال. هو، إن شئنا، هبّة إلهية طال انتظارها منذ أمد بعيد.

وممّا ندب ( !! ) إلى هذا الموقع / المحرك تزايد إقبال المسلمين على الشبكة العنكبوتيّة في الأعوام الأخيرة دون أن يكونوا في مأمن من محاذيرها، ودون أن يفعلوا ما يقتضيه الصراط المستقيم من مخالفة لأهل الجحيم. على أنّ هذا الفتح المبين ولد كبيرا، إذ طرح نفسه لمنافسة محرّك البحث الشهير غوغل ( بلْه ياهو !! )، ولتقرّ به عيون المسلمين الأطهار.

للتذكير، فإنّ هذه اللّقيا تأتي لتنضمّ إلى صويحباتها في الجهاد الافتراضيّ، ولتردّ الصاع صاعيْن لمحرّك بني العمومة ” الكاشير “. فقبل أيّام، أقدمت كوكبة من المصمّمين الصالحين في بلاد الحرميْن على إنشاء موقع لليوتوب النقيّ، يقوم في أصل وضعه على تطهير موقع اليوتوب العالميّ المعروف وتخليصه من الفيديوهات المخلّة بالآداب أو تلك التي تتعرّض لأولي الأمر. والمهمّ في هذا العمل الجليل النبيل هو اقتصار ( اليوتوب النقيّ ) على مقاطع الفيديو الخالية من المحاذير الشرعيّة، وعلى منهج أهل السنّة والجماعة. فيقبل عليها المبحر المسلم وهو آمن على عرضه وماله من الافتتان.

وللأمانة، فمبادرة ( أنا حلال دوت كوم !) – فضلا عن كونها تستهدف صياغة إسلام افتراضي يصطحب قيم الإسلام التاريخيّ – جاءت لتسدّ ثلمة رقميّة، خاصّة بعد أن أقدم بنو العمومة على ابتداع محرّكهم الشرعيّ الحلال ” الكاشير ” هو أيضا. أقصد، هنا، موقع (www.koogle.co.il ) الذي فكّ عن اليهود المتديّنين الحظر الذي ضربه الحاخامات على استخدام الأنترنيت. فبمحرّك البحث ” الكاشير ” ( كوغل )، يضمن المتصفّحون الطريق لأنّ المحرّك يحذف آليّا المواقع المحظورة دينيّا مثل صور النساء، ناهيك عن المواقع الجنسيّة والإباحيّة. بل يعمل نظام الفلترة بطريقة نشطة في تنقية المواقع الإخباريّة أيضا من المواد التي يحظرها الحاخامات كجهاز التلفزيون ( والعياذ باللّه ).

وبلا ريب، ستتطوّر تجربة المحرّك الإسلاميّ ( أنا حلال دوت كوم ) لتبذّ تجربة المغضوب عليهم والضالّين. ولعلّ المصمّمين الصابرين المرابطين يمضون قدما حتّى تُسْلم الشبكة العنكبوتيّة على أيديهم صاغرة.

وإلى أن يحدث ذلك، لن نبخل على جند الواب بالأفكار الوجيهة التي نقدّر أنّها لا تعوزهم على أيّة حال كـ:

- إقرار العربيّة ( لغة أهل الجنّة ) اللغة الرسميّة لمحرّك ( أنا حلال دوت كوم ! )

- تعليق عمل الموقع أيّام الجمع أسوة بتسبيت محرّك بني العمومة الكاشير.

- مخالفة أهل الجحيم في عبارة ” الصفحة غير موجودة “، وإقرار صفحة حجب شرعيّة. ألم ينصح الشيخ المنجّد صاحب الرأي الرجيح هيئات الرقابة على شبكة الأنترنيت بربط صفحات حجب المواقع المشهورة في شرق المتوسّط بآيات قرآنية وأحاديث نبويّة؟

- استبدال خانة البحث المتقدّم بعبارة ” ادخلوها بسلام آمنين” !

عالم بلا إسلام

عالم بلا إسلام 

 

– غراهام فولر

– ترجمة مختار الخلفاوي

يستمدّ هذا النصّ أهمّيته وراهنيّته من مؤلّفه وموضوعه معًا، فكاتبه غراهام فولر نائب رئيس سابق للمجلس القوميّ للاستعلامات في المخابرات الأمريكيّة. وهو مكلّف بالاستشراف الاستراتيجيّ بعيد المدى. ألف عديد الكتب حول الشرق الأوسط منها ” مستقبل الإسلام السياسيّ ” 2003. يدرّس الآن التاريخ في إحدى الجامعات الأمريكيّة. أمّا موضوعه فموضوع طريف يستند فيه المؤلّف، معرفيّا، إلى إحدى شعب البحث المعروفة في حقل الدراسات الثقافيّة بإعادة البناء التاريخيّ (Reconstruction historique ). ينطلق المقال من افتراض / تساؤل: كيف كان العالم سيكون وكيف كان سيتطوّر لو لم يظهر فيه الإسلام أو بعبارة أخرى: كيف تكون وضعيّة البشريّة في عالم لم يوجَدْ الإسلام فيه؟ رغبة دفينة أو افتراض تاريخيّ وراء هذه الرحلة إلى الماضي نترك لقرّاء ” الأوان ” فرصة تفكيك خطابها واستنطاق خلفيّاتها المعرفيّة والسياسيّة، مع رغبة في امتحان أدوات هذه الشعبة البحثيّة ولو على سبيل محاكاة غراهام فولر، في افتراض وجود عالم بلا ( ما تشاؤون من آلهة أو شياطين..)

تصوّروا، إنْ شئتم، عالما بلا إسلام. تلك وضعيّة لا تخطر على بال نظرا للمكانة المركزيّة التي يحتلّها الإسلام في شأننا الجاري. يبدو الإسلام وراء جملة من أعمال الفوضى وسوء الفهم في العالم: عمليّات انتحاريّة، سيّارات مفخّخة، احتلالات عسكريّة، أعمال مقاومة، اضطرابات، فتاوى، جهاد، حرب عصابات، أشرطة فيديو تهديديّة وأخيرا وليس آخرا الحادي عشر من سبتمبر نفسه. يوفّر الإسلام محرارا بسيطا ومباشرا يسمح لنا بأنْ نفهم جيّدا عالم اليوم المضطرب. وبالفعل، فإنّ ” الفاشيّة الإسلاميّة “، عند بعض المحافظين الجدد، هي ، الآن، عدوّنا اللّدود في أيّ حرب عالميّة ثالثة محتملة.

ولكنْ اسمحوا لي أنْ أقول: ماذا لو لم يوجدْ شيءٌ مثل الإسلام؟ ولَمْ يُوجَدْ، قطّ، الرسول محمّد ولم ينتشر الإسلام عبر مناطق واسعة من الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا؟ انطلاقا من انشغالنا الراهن حول الإرهاب والحرب والعداء الممتدّ لأمريكا، فإنّه، من الضروريّ، فهم المصادر الحقيقيّة لهذه الأزمات. هل إنّ الإسلام هو مصدر المشكلة أمْ أنّ ذلك المصدر يوجد، في المقابل، طيّ العوامل الأقلّ وضوحا والأكثر عمقا. في إطار حجاجيّ وبجهد في التخيّل التاريخيّ، لنفترضْ صورةً لشرق أوسط لم يظهر فيه الإسلام قطّ. هل سنكون، إذن، قد كُفينا تحدّيات كثيرة تقف أمامنا اليومَ؟ هل سيكون الشرق الأوسط أكثرَ سِلما؟ إلى أيّ حدّ ستكون العلاقات بين الشرق والغرب مختلفة؟ دون إسلام، من الأكيد أنّ النظام العالميّ سيكون في صورة مختلفة جدّا عن مثيلتها اليوم.

لقد أثّر الإسلام تأثيرا واضحا، منذ ظهوره في الشرق الأوسط، في القيم الثقافيّة والاعتبارات السياسيّة لمعتنقيه. فكيف، إذن، يمكن أنْ نفصل الإسلام عن الشرق الأوسط؟ رغم ذلك، ليس من العسير جدّا أنْ نتصوّر.

لنبدأ بالمظهر الإثنيّ. بلا إسلام، سيبقى وجه المنطقة معقّدا مشوّشا. ستواصل الجماعات المسيطرة في الشرق الأوسط كالعرب والفرس والأتراك والأكراد واليهود وكذلك البربر والبشتون سيطرتَها على المشهد السياسيّ. لنأخذ الفرس على سبيل المثال. لقد امتدّت الإمبراطوريات الفارسيّة المتعاقبة، لزمن طويل قبل الإسلام، إلى حدود أبواب أثينا وكان الفرسُ المنافسين الأبديّين على ساكنة الأناضول. وكانت شعوب ساميّة رافضة لهذا التفوّق قد حاربت الفرس في الهلال الخصيب حتّى العراق. ومن بعد، ثمّة القوى القبليّة المختلفة والتجّار العرب ينتشرون ويترحّلون في مناطق ساميّة أخرى من الشرق الأوسط قبل الإسلام[…] الأتراك، أيضا، قد غزوا الأناضول والبلقان إلى حدود فيينا ومنطقة كبيرة من الشرق الأوسط. هذه الصراعات من أجل السلطة والأرض والسيطرة والتجارة كانت موجودة طبعا قبل ظهور الإسلام. بيد أنّه يبدو اعتباطيّا استبعاد الدين نهائيّا من المعادلة. فالحقّ أنّه، لو لم يظهر الإسلام أصلاً، لبقيَ القسم الأكبر من الشرق الأوسط بالأساس مسيحيّا بمختلف طوائفه كما كان الحال في فجر الإسلام، ذلك أنّه باستثناء قلّة من المجوس وعدد ضئيل من اليهود لم تكن هناك ديانة كبرى موجودة.

فهل كان التوافق مع الغرب سيسود لو بقي الشرق الأوسط مسيحيّا؟ هذا استنتاج مبالغ فيه[…] كانت راية المسيحيّة، في العصر الوسيط، إلى كونها رمزا قويّا، إعلانا تعبويًّا لتحقيق المتطلّبات الدنيويّة للأوروبيّين الأقوياء. لم يكن دين سكّان الشرق في صدارة الدوافع إلى التوسع الإمبراطوريّ للغرب على هذه المنطقة. لقد استطاعت أوروبّا، بطريقة نموذجيّة، أنْ تحمل القيم المسيحيّة لأهل الشرق. ولكنّ الهدف الرئيسيّ كان استيعاب مراكز متقدّمة للاستعمار مصادرَ لثراء الوطن الأمّ وقواعد لتوسّع النفوذ الغربيّ. وعلى هذا، فممّا لا يصدّق أنَّ نصارى الشرق قد تقبّلوا بارتياح زحف الجيوش الأوروبيّة، إذْ لعبت الإمبرياليّة على الفسيفساء الإثنيّة المركّبة في المنطقة وفق السياسة الأثيرة: فرّق تسدْ.[…] هل كانت دول الشرق الأوسط، لو كانت مسيحيّةً، ستقبل ببسط الحماية الأوروبيّة على المنطقة؟ لا نظنّ ذلك، بكلّ تأكيد…فلم يكن الإسلام هو الذي جعل دول الشرق الأوسط تقاوم بشدّة المشروع الاستعماريّ وتقاوم رسمَه للحدود الجديدة وفق الاعتبارات الجيوسياسيّة الأوروبيّة. ولم تكنْ تلك الدول المسيحيّة الشرق أوسطيّة المفترضةُ لتحسن قَبول الشركات البتروليّة الغربيّة العابرة للقارّات معزّزةً بموظّفين أوروبييّن ودبلوماسيين وأعوان مخابرات وجيوش أكثر ممّا فعل المسلمون[…] سيكون الشرق الأوسط، دوما، مؤهّلا لإفراز حركات قوميّة ضدّ الاستعمار لانتزاع السيطرة على أراضيها وأسواقها وسيادتها، تماما كما في حركات المقاومة ضدّ الاستعمار في الهند الهندوسيّة والصين الكونفشيوسيّة وفيتنام البوذيّة وإفريقيا المسيحيّة والوثنيّة. وبالتأكيد، سيجد الفرنسيّون أنفسهم يبسطون نفوذهم على الجزائر المسيحيّة لاستغلال خيرات أراضيها الفلاحيّة وإقامة مستعمرة هناك. وكذلك الإيطاليّون، لم تمنعهم مسيحيّة إثيوبيا من أنْ يحوّلوها إلى مستعمرة يسوسونها بالحديد والنار. باختصار، ليس ثمّة سبب لكيْ نعتقد أنّ ردّ الفعل الشرق الأوسطيّ على العدوان الاستعماريّ الأوروبيّ سيتغيّر تغيّرا ذا بال عن الكيفيّة التي كان عليها بالفعل تحت الإسلام.

ولكنْ، ألن يكون الشرق الأوسط أكثر ديمقراطيّة بلا إسلام؟

إنّ تاريخ الديكتاتوريّات في أوروبّا نفسها لا يدعم هذا الافتراض. فلم تتخلّص إسبانيا والبرتغال من ديكتاتوريّتيهما العنيفتيْن إلاّ في أواسط السبعينات. ولم تتحرّر اليونان من ديكتاتوريّة مرتبطة بالكنيسة إلاّ منذ عشرات السنين. أمّا روسيا المسيحيّة فلم تخرج بعدُ من الديكتاتوريّة. بل مازالت أمريكا اللاتينيّة إلى الآن واقعة تحت ديكتاتوريين يمارسون سلطتهم، في الأغلب، بحماية من الولايات المتّحدة وبشراكة مع الكنيسة الكاثوليكيّة. وأغلب الشعوب الإفريقيّة المسيحيّة لم تحقّق نجاحا أفضل في هذا المجال. فلِم يكون شرق أوسط مسيحيّ مفترضٌ حالةً مغايرةً؟

ثمّة، أيضا، فلسطين. فلقد كان المسيحيّون هم الذين، بلا شكّ، قتّلوا اليهود لما يزيد عن ألف عام وسمت بالهولوكوست. إنّ تلك الأمثلة المفزعة من معادة الساميّة كانت متجذّرة في الثقافة المسيحيّة والبرّ الغربيّ خاصّة. كان اليهود سيواصلون البحث عن وطن خارج أوروبّا. وكانت الحركة الصهيونيّة ستظهر، في كلّ الأحوال، وتبحث عن أرض لها في فلسطين. وكانت دولة إسرائيل اليهوديّة الجديدة ستقتلع 750 ألف عربيّ من السكّان الأصلييّن الفلسطينييّن من أراضيهم وإنْ كانوا مسيحييّن ( وبالفعل فقسم من هؤلاء المهجرين الفعليّين هم كذلك). ألم يقاتل هؤلاء العرب المسيحيّون للدفاع عن وطنهم أو استرداد أراضيهم؟ إنّ الصراع الإسرائيليّ الفلسطينيّ يبقى، في أساسه، مشكلة قوميّة إثنيّة وجغرافيّة مغلّفة، أخيرا، بشعارات دينيّة وحسْبُ. ولا ننس أنّ المسيحييّن العرب كان لهم الدور الرئيس في بدايات الحركة القوميّة العربيّة في الشرق الأوسط. وبالفعل، فلقد كان مؤسّسُ أوّل حزب عروبيّ ( البعث ) ميشيل عفلق مسيحيّا سوريًّا درسَ في السوربون.

[ …] إنّ سوء التفاهم بين الشرق والغرب، في ظلّ شرق أوسط مسيحيّ مفترض، يبقى قائما كما هو الآن بالفعل. […] إذْ تختلف ثقافة الكنيسة الأورتودكسيّة، بوضوح، عن فلسفة الأنوار الغربيّة التي تؤكّد اللائكية والرأسماليّة وقيمة الفرد. لهذه الكنيسة مخاوف من الغرب شبيهة بشتّى مظاهر الارتياب التي يبديها مسلمو اليوم […]. وبالفعل، ففي شرق أوسط مسيحيّ أوروتدكسيّ تكون روسيا اللّاعب الأوّل والأساسيّ باعتبارها آخر مركز مهمّ للكنيسة الأورتودكسيّة الشرقيّة. سيكون، عندها، العالم الأورتودكسيّ مجالا جيوسياسيّا مفتاحا للمنافسة بين الشرق والغرب في الحرب الباردة. وبسبب من هذا الاعتبار، أدرج صمويل هنتغتون العالم المسيحيّ الأورتودكسيّ ضمن الحضارات العديدة المعنيّة بالصدام الثقافيّ مع الغرب.

لن يكون الاحتلال الأمريكيّ للعراق، اليوم، أفضل تقبّلا لو كان العراقيّون مسيحيّين. فلم تعمد الولايات المتّحدة إلى عزل صدّام حسين، وهو زعيم لائكي وقوميّ، لأنّه كان مسلمًا. ستساند شعوب عربيّة أخرى العرب العراقيّين في مقاومة المحتلّ. لن يقبل أحدٌ، في أيّ مكان، أنْ يُحْتلّ بلده ويقتل بنو وطنه بأيدي قوّات أجنبيّة. كلّما قدّرت مجموعات أنّها مهدّدة من قوى خارجيّة التجأت، دائما، إلى العثور على أيديولوجيّات مناسبة لتثمين نضالها المقاوم.والدين واحد من تلك الأيديولوجيّات.

هذا هو المشهد الافتراضيّ لـ” عالم بلا إسلام “. إنّه شرق أوسط تسيطر عليه المسيحيّة الأورتدكسيّة الشرقيّة وهي كنيسة كانت، تاريخيّا وسيكولوجيّا، حذرة تجاه الغرب، إنْ لم نقل معادية.[…]

تحت راية الرسول: على أنّه من العبث أنْ يقال إنّ وجود الإسلام لم يكن له تأثير مستقلّ في الشرق الأوسط أو في العلاقات بين الشرق والغرب. أنشأ الإسلام، بوصفه ديانة كونيّة، حضارة ممتدّة تقوم على قواسم مشتركة فلسفيّا وفنّيا واجتماعيّا وأنشأ رؤية لحياة روحيّة ومعنى للعدالة والحقّ ونظام الحكم ليمتزج كلّ ذلك في ثقافة متميّزة متجذّرة[…] لقد أثّر الإسلام، أيضا، في الجغرافيا السياسيّة: لو لم يكن الإسلام، لكانت الدول الإسلاميّة في جنوب آسيا وجنوبها الشرقيّ وخاصّة باكستان وبنغلاديش وماليزيا وإندونيسيا منصهرة في العالم الهنديّ. لقد مثّلت الحضارة الإسلاميّة مثالا موحّدا يمكن أنْ يمثّل دعوة لكلّ المسلمين إلى مقاومة الجور الغربيّ. ورغم أنّ هذه الدعوة فشلت في إيقاف المدّ الإمبراطوريّ الغربيّ، فإنّها خلقت ذاكرة ثقافيّة لِقَدَرٍ مشترك لا يمّحي. […]

في عالم بلا إسلام ستكون مهمّة الامبرياليّة الغربيّة لتـجزئة الشرق الأوسط وآسيا وغزوهما والسيطرة عليهما أكثر يُسْرًا. لن تكون هناك ذاكرة ثقافيّة جماعيّة من المهانة والهزيمة عبر منطقة شاسعة من العالم. ذلك هو السبب الجوهريّ الذي يفسّر لِمَ تتكسّر شوكة الولايات المتّحدة على جدار العالم الإسلاميّ. اليوم، خلقت وسائط الاتّصال المعولمة والصورُ عبر الأقمار الصناعيّة المتبادلة وعيا ذاتيّا قويّا لدى المسلمين وشعورا بحصار غربيّ على ثقافة إسلاميّة مشتركة. هذا الحصار لا يعني الحداثة، ولكنّه يعني محاولات الغرب التي لا تكفّ للسيطرة على الفضاء الإستراتيجيّ والثروات وعلى ثقافة العالم الإسلاميّ أيضا. وللأسف، تظنّ الولايات المتّحدة، بسذاجة، أنّ الإسلام هو ما يقف في طريقها المؤدّي إلى إنشاء شرق أوسط موال للأمريكان.

ولكنْ ماذا عن الإرهاب، القضيّة الأكثر إلحاحا التي ينسبها الغرب آليّا إلى الإسلام؟ بصراحة، هل كان الحادي عشر من سبتمبر سيحدثُ بلا إسلام؟ لو رَبِيَتْ مظالم الشرق الأوسط التي تجذّرت في سنوات الغضب الانفعاليّ والسياسيّ ضدّ أفعال أمريكا وسياساتها تحت راية أخرى، هل كانت الأمور ستختلف اختلافا بيّنا؟ […]

إنّ الحادي عشر من سبتمبر لم يكن بداية التاريخ. فبالنسبة إلى قراصنة الجوّ من جماعة القاعدة، يمثّل الإسلام مجهرا في الشمس يلمّ تلك المظالمَ الجماعيّة الممتدّة والمشتركة ويكثّفها في شعاع حادّ في لحظةِ وضوح حيال غازٍ أجنبيّ. في تركيز الغرب على إسلاميّة الإرهاب تبدو الذاكرة قصيرة. فلقد كانت العصابات اليهوديّة تلجأ إلى الإرهاب ضدّ البريطانييّن في فلسطين. واخترع نمور التاميل ” فنّ ” الأحزمة الناسفة، وقادوا العالم، لأكثر من عقد، في دوّامة عمليّات انتحاريّة أحدُ ضحاياها الوزير الأوّل الهنديّ راجيف غاندي. وقام الإرهابيّون اليونان بعمليّات قتل ضدّ الضبّاط الأمريكيّين في أثينا. وقتل إرهاب السّيخ المنظّم أنديرا غاندي وزرع الفوضى في الهند، وأقام له قاعدة خارجيّة في كندا، وفجّر طائرة الخطوط الهنديّة فوق المحيط الأطلسيّ. وكان الإرهابيّون المقدونيّون محلّ خشية واسعة على طول البلقان عشيّةَ الحرب العالميّة الأولى. عشراتُ المجازر الكبرى في نهاية القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين قام بها ثوّار فوضويّون أوروبّيون وأمريكيّون زرعت الرعب الشامل. جيش التحرير الأيرلندي ( الإيرا )ظل يطوّرُ إرهابا عنيفا فظيعا ضدّ البريطانيّين طيلة عقود، تماما كما فعل محاربو العصابات الشيوعيّون والإرهابيّون في فيتنام ضدّ الأمريكيّين وما فعل الشيوعيّون المالاويون ضدّ الجنود البريطانيّين سنوات الخمسينات وما فعله الإرهابيّون الماو ماو ضدّ الضبّاط البريطانيّين في كينيا والقائمة تطول. […]

بل إنّ تاريخ النشاط الإرهابيّ الحاليّ ليس مختلفا اختلافا بيّنا. وفق أرقام أوروبول Europol حصلت في الاتّحاد الأوروبيّ 498 هجمة إرهابيّة سنة 2006. بينها 424 هجمة قامت بها مجموعات انفصاليّة و55 هجمة قام بها متطرّفون يساريّون و18 هجمة قام بها إرهابيّون مختلفون. ثمّة عمليّة واحدة قام بها إسلاميّون. وللدقّة، فقد أُحْبِط عدد من الهجمات أعدّ لها بعضٌ من أفراد الجاليات المسلمة الشديدة المراقبة.[…] فإذا كان الإسلام يرفض الحداثة فلِم انتظر الحادي عشر من سبتمبر لكيْ يعلنُ الهجوم. ولِمَ تحدّث مفكّرون إسلاميّون كبارٌ في بداية القرن العشرين عن الحاجة إلى تبنّي الحداثة مع المحافظة على الثقافة الإسلاميّة. ( يبدو أنّ الهاجس السياسيّ والاستراتيجيّ يغلب على المؤلّف أحيانا فيغفل تناقضات من طبيعة إبستيميّة- المترجم ). لم تكن قضيّة أسامة بن لادن، في أوّل أمره، تتوجّه إلى الحداثة البتّةَ. لقد تكلّم عن فلسطين وعن أقدام الجنود الأمريكيّين على الأرض السعوديّة وعلى حكّام السعوديّة بتوجيه الولايات المتّحدة وعن حروب صليبيّة حديثة. إنّه لمِن المثير أنّه كان لا بدّ من انتظار 2001 لمعاينة أولى مظاهر غليان الغضب الإسلاميّ على أرض الولايات المتّحدة في ردّ فعل على سياسة أمريكا وعلى أحداث متراكمة تاريخيّة وآنيّة. لو لم يكن 9 / 11 لكان يومٌ نظيرٌ غيره قد حدث، لا محالة. بل لو لم يوجد الإسلامُ عاملا موجّها للمقاومة لكانت الماركسيّة قد صنعت الأمر ذاته. إنّها أيديولوجيّة قد نسَلَتْ عددا لا يحصى من الإرهابيّين والعصابات وحركات التحرّر الوطنيّ. وحتّى نقتصر على بعض هذه الجماعات في الغرب فحسب، نشير إلى أنّ الماركسيّةَ قد طبعت الإيتا الباسكيّة والفارك FARC في كولومبيا والدرب المنير في البيرو وعصابة الجيش الأحمر في أوروبّا.[…]

يفتّش الصامدون أمام العدوان الأجنبيّ عن رايات ليروّجوا من خلالها قضيّة كفاحهم ويمجّدوها. قدّمت أمميّةُ صراع الطبقات عنصرا تعبويّا مهمّا. وقدّمت القوميّة ما هو أفضل. ولكنّ الدين يقدّم الأفضل باستثارته للطاقات القصيّة من أجل الدفاع عن القضيّة. […] نحن نعيش زمنا الإرهاب فيه هو سلاح الضعيف. هذا الإرهاب الذي يلتفّ، بلا سابق، على قوّة الجيوش الأمريكيّة في العراق وأفغانستان وغيرهما. ولهذا، عُدّ بن لادن، في كثير من المجتمعات غير المسلمة، ” تشي غيفارا القادم “. وليس ذلك إلاّ بفعل الجاذبيّة التي تشيعها مقاومة ناجحة ضدّ النفوذ الأمريكيّ المهيمن أو الضعيف حين يعكس الهجوم. تلك الجاذبيّة تتجاوز الإسلام أو الثقافة في الشرق الأوسط.

بيد أنّ الأسئلة تبقى. هل سيكون العالم أكثر سلمًا لو لم يوجد الإسلام؟ أمام هذا التوتّر بيْن الشرق والغرب يزيد الإسلام، بلا ريب، عنصرا انفعاليّا إضافيّا أو طبقة إضافيّة من التعقيدات في طريق البحث عن حلول. وإنّه من السهل التنقير في القرآن عن آيات أو شواهد تبدو كأنّها تجيب عنْ سؤال: لِم يكرهوننا؟ ولكنّ ذلك التنقير يزيغ عن طبيعة الظاهرة. كم هو مريحٌ أنْ يقع تحديد الإسلام على أنّه مصدرُ ” المشكلة “. ذلك، بكلّ تأكيد، أكثرُ يسرًا من الفحص عن آثار البصمة الضخمة للقوّة العظمى الوحيدة في العالم. إنّ عالَما بلا إسلام سيشهد، دوما، التهديدات والتهديدات الإرهابيّة المضادّة حيث تسود الحروب والمآسي المشهد الجيوسياسيّ. لو لم يكن الدين، لكانت تلك الجماعات ستجد رايات أخرى تعبّر في ظلّها عن وطنيّتها وعن سعيها إلى الاستقلال. طبعا، لن يكون للتاريخ المسار ذاته الذي سلكه بالتدقيق. ولكنْ، في العمق، فإنّ الأزمة بين الشرق والغرب تبقى دائما قائمة حول المسائل التاريخيّة والجيوسياسيّة الكبرى للتاريخ البشريّ: الإثنيّة، القوميّة، الطموح، الجشع، الثروة، الحكّام المحلّيين، منطقة النفوذ، الربح المادّيّ، السلطة، التدخّل الأجنبيّ وكره ذلك، الغزاة والإمبرياليين. في مواجهة أسئلة مزمنة كهذه، كيف لا يُسْتدعى سلطانُ الدين؟ لنتذكّر، أيضا، أنّ الأهوال الرئيسيّة في القرن العشرين، عمليّا، قد جاءت، حصرًا، من الأنظمة اللائكية الصريحة: ليوبولد بلجيكا الثاني في الكونغو، هتلر، موسوليني، لينين وستالين، ماو وبول بوت. ثمّ إنّ الأوروبّيين هم الذين فرضوا على سائر العالم حربيْهم العالميّتيْن. وهاتان كانتا أزمتيْن كونيّتيْن مدمّرتيْن بلا نظير موازٍ في التاريخ الإسلاميّ.

يمكن للبعض، اليوم، أنْ يتمنّى ” عالما بلا إسلام ” لم تحدثْ فيه، قطّ، هذه المشاكل. ولكنْ، في الحقيقة، فإنّ الصراعات والمنافسات والأزمات في عالم كذاك قد لا تبدو مختلفةً اختلافا بيّنًا عمّا نعرفه اليومَ.

* المقال عن المجلّة الأمريكيّة المتخصّصة www.foreignpolicy.com  في عددها (جانفي / فيفري 2008). واستأنسنا بالترجمة الفرنسيّة الصادرة في elkhadra.Over-blog.com. ونشر لأوّل مرّة في موقع الأوان

 http://www.alawan.org/عالم-بلا-اسلام.html?var_mode=calcul

إسلام ضدّ الإسلام/ بقلم: مختار الخلفاوي

_al-Qaeda

 

” بعد التوكّل على الله سبحانه وتعالى ، نعلن نحن جماعة جند أنصار الله في أكناف بيت المقدس ، عن ولائنا التامّ للإمارة الإسلاميّة في أكناف بيت المقدس ، بإمارة مولانا الشيخ أبي النور المقدسيّ حفظه الله ورعاه أمير المؤمنين في الإمارة الإسلامية، ونعاهد الله سبحانه وتعالى على السمع والطاعة في المعروف، ونقول لشيخنا أبي النور المقدسيّ، سرْ على بركة الله ، فإنّما نحن سهام في كنانتكم، فارمُوا بنا حيث شئتم، فوالله لن تجدوا منّا إلا جنوداً مخلصين طائعين، ورجالاً أشدّاء ثابتين..”

لم يكن هذا الإعلان إلاّ استجابة لنبوءة نبويّة بأن يصير الأمر إلى أن يكون المسلمون جنودا مجنّدة، جندا بالشّام، وجندا باليمن، وجندا بالعراق.. على أنّ خيرة اللّه من أرضه الشام يجتبي إليها خيرته من عباده كأبي النور المقدسيّ وأتباعه. فلا إسلامَ بلا جماعة، ولا جماعة بلا إمارة، ولا إمارة بلا سمع وطاعة !

ولم يكد الحبر الذي كتب به ” جند أنصار اللّه ” إعلان الولاء للإمارة الإسلاميّة في أكناف بيت المقدس يجفّ حتّى صار ماضيا شاهدا على حالة الحرب الأهليّة التي تنشب، كلّ حين، في هذا العالم العربيّ والإسلاميّ تحت الراية نفسها: الجهاد في سبيل اللّه !

ليلة الجمعة / السبت 14– 15 أوت / آب الجاري كانت ليلة رعب على المواطنين تقاتل فيها أعضاء ” جند أنصار الله ” مع ميليشيات حماس الأمنيّة قتالا انتهى، فجر السبت، بمحاصرة ” المتمرّدين ” في مسجد ابن تيمية وإعدامهم إعداما جماعيّا بما فيهم عبد اللطيف موسى ( أبو النور المقدسيّ ) زعيم الجماعة السلفيّة.

وفي حين سارعت ” الحكومة المقالة ” إلى التنديد بالجماعة ووصفها بالتكفيريّة، ثمّ مرّت إلى مرحلة تالية تحدّثت فيها عن خيوط مؤامرة نسجتها سلطة رام الله لبثّ الفتنة في القطاع، توعّدت، من الجهة المقابلة، جماعات سلفيّة جهاديّة في غزّة بالانتقام لـ ” شهدائها ” وحذّرت المواطنين من الاقتراب من المراكز الأمنيّة والمقارّ الحكوميّة والمساجد التي يرتادها قادة حماس.

وسط هذه الحرب الكلاميّة التي أعقبت الحرب الميدانيّة، لا أجد من يربط بين السعي الحثيث لأسلمة المجتمع الفلسطينيّ في غزّة أو طلبنته على وجه التحديد منذ أن أخذت حماس الأمور بيدها قبل سنتيْن وبين تناسل مثل هذه الجماعات السلفيّة الجهاديّة التي لا تعدو كونها نبتا من غراس تلك التربة ذاتها.

القرائن على طلبنة الوجود الفلسطينيّ في غزّة أكثر من أن تحصى، ولعلّ من شواهدها البارزة التركيز الإعلاميّ على أسلمة مظاهر الحياة الفلسطينيّة في شتّى مناحيها عبر ما تعرضه فضائيّة الأقصى من موادّ إسلامويّة تعبويّة في نشراتها الإخباريّة وبرامجها الحواريّة التي أحدثت بدعة التحاور بين منقّبتيْن لا يُرَى منهما إلا العينان، وفي فواصلها الموسيقيّة التي صارت مقصورة على الأناشيد الدينيّة. بل إنّ نزعة الطلبنة طالت برامج الأطفال التي وصلت إلى حدّ دعوة الصّبْيَة إلى قضاء عامّة يومهم في الاستغفار والعبادة وذكر الله والدعوة للشهداء وتلاوة القرآن وطرد الشياطين والأرواح الشرّيرة من دور عوائلهم !

ينبغي أن لا ننسى أنّ جماعات سلفيّة جهاديّة ذات ولاءات متفاوتة لتنظيم القاعدة مثل «أنصار السنة» أو «السلفية الجهادية» و«جيش الإسلام» و«جيش الأمة» و«كتائب التوحيد والجهاد ” بدأت في التمايز عن حماس منذ أن دخلت حماس الانتخابات التشريعيّة سنة 2006 لاعتقاد هذه الجماعات بعدم جواز الانتخابات شرعا.

وغضّت حماس الطرف عن أنشطة هذه الجماعات التي خرجت من جبّتها، بل واستخدمت بعضها. فمن ينكر أن تنظيم ” جند الإسلام ” بقيادة ممتاز دغمش كان وراء اختطاف الجنديّ الإسرائيلي جلعاد شاليط الذي انقلب إلى ورقة مساومة مهمّة في أيدي حماس، ثمّ تحوّل دغمش إلى ألدّ أعدائها حتّى شنّت عليه وعلى جماعته حربا في خريف العام الماضي بعد أن بدأ أمر الجماعة يستفحل، وبعد أن ورّط حماس باختطاف مراسل البي بي سي ( آلان جونسون ).

لقد خرج أغلب هذه التنظيمات من رحم حماس، ومن تنظيمها العسكريّ القسّام على وجه التخصيص، ثمّ انشقّ عنها ونما، وصارت هذه التنظيمات تشارك، باسمها، في أعمال المقاومة ضدّ الاحتلال الإسرائيليّ. نزار ريّان القيادي في كتائب القسّام الذي قتل في الحرب على غزّة كان من مؤسّسي ” جند أنصار الإسلام “، واشترك مع أبي عبد اللّه المهاجر القائد العسكريّ في جماعة ” جند أنصار اللّه ” في مناورات عسكريّة قبل الحرب على غزّة بأشهر بعلم من السلطات. ” جيش الأمّة” بزعامة إسماعيل حميد ” أبي حفص” الذي كان يطلق على إسرائيل صواريخ القعقاع. جماعة ” سيوف الحقّ” التي ترى أنّ جهادها ليس في محاربة الاحتلال بل في تطهير أرض فلسطين من الفساد والرذيلة، فتبنّت عمليّات تفجير مقاهي الأنترنيت في غزّة، وألقى أحد أعضائها الماء الحارق على وجه فتاة غزّاوية جزاء ” تبرّجها “، فضلا عن جمعيّات ” ثقافيّة ” سلفيّة شأن ” جمعيّة دار الكتاب والسنّة ” التي حوّلت سينما الحرّية في خان يونس إلى مقرّ تضطلع فيه بـ ” الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ” !

إنّ إعلان الإمارة الإسلاميّة في أكناف بيت المقدس التي لم تعمّر إلاّ يوما أو بعض يوم، وما أعقبها من أحداث مسجد ابن تيميّة في حيّ البرازيل جنوب غزّة ليسا إلاّ شاهدا على ارتداد بعض السهام إلى نحرها، وحلقةً في سلسلة الإخفاقات التي تردّى إليها مشروع التحرّر الفلسطينيّ في ظلّ الشعار الأجوف: الإسلام هو الحلّ !

الركاز في صيحة ابن قتيبة وفتوى ابن باز! بقلم مختار الخلفاوي

le_philosophe

 

 

مات أبو محمّد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدينوريّ حَتْفَ أنفه أو لعلّ الصواب أنّه مات حتفَ فِيه إذْ داهمته المنيّةُ إثر هريسة بلعها سخنة فأهلكته. مات تاركا وراءه صيحة عظيمة سُمعت من بعيد. ثمّ أغمي عليه إلى وقت صلاة الظهر، ثمّ اضطرب ساعة، ثمّ هدأ، فمازال يتشهّد إلى وقت السحر، ثمّ مات. وكانت ميتته التي سجّلتها كتب التراجم والتواريخ، وهو في منتصف الكهولة (57 عاما)، ميتة مأساوية بكلّ المقاييس.

ليست الصيحة الحادّة التي خلّفها ابن قتيبة إلاّ صيحة فكريّة جسّدها معلمٌ راسخ من معالم الثقافة العربيّة حين تبيّن»شُمول النقص ودروس العلم وشُغْلَ السلطان عن إقامة سوق الأدب حتّى عفا ودرس…” غير أنّها صيحة، وإنْ طوت الأعصار والأمصار حتّى أدركت ابن خلدون فعدّ كتابه»أدب الكاتب” أحد الأصول الأربعة لعلم الأدب، وأدركت الألمان والفرنسييّن من بعد ذلك فبادروا إلى ترجمة آثاره منذ أواسط القرن 19 م مع نولدكه وريتر هوزن ثمّ لوكومت، لم يبلغ صداها بلاد نجد والحجاز فلم يسمع لها الشيخ عبد العزيز بن باز. أستحضر ابن قتيبة الفقيهَ السنّيَّ حاملَ لواء السنّة المنافح عنها عبر مختلف كتبه لأضعه في مواجهة الشيخ الفقيه عبد العزيز بن عبد اللّه بن باز الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربيّة السعوديّة قبل وفاته، أحَدِ رجال الدين المعاصرين البارزين ولأكافح، من خلال هذا الاستحضار، أطروحة هذا بذاك على ما بين الرجليْن من الاتّصال والانفصال كما سنرى. أمّا مناسبة هذا اللّقاء بين الرجليْن على تباعد الزمان والمكان فهي وقوعي على فتاوى للشيخ ابن باز في شأن الكتب والتواليف ومراسم القراءة ومقاصدها تتضمّن، إلى جانب تنزيل فقهيّ للموضوع، قائمة مبدئيّة وأولى في بعض الكتب يأمر أو بالأحرى يحرّم قراءتها أو السماح بدخولها مكتباتِ المملكة ومكتبات المواطنين على حدّ السواء. قادني الفضول إلى تصفّح فتاوى الشيخ ابن باز في ذات الباب لأخرج بهذا العرض المقارنيّ السريع بين رجل استقدمته من القرن الثالث الهجريّ لأناقش به رجلا من القرن الخامس عشر!

 

كلاهما ابن قتيبة الدينوريّ (ت 276 هـ يوم كان الحساب الهجريّ هو الحساب المعتمد) وعبد العزيز بن باز (ت 1999 م يوم صار التقويم الجولياني هو السائد في بلاد الإسلام) موصول بأمّ القرى. ينتسب الأوّل إلى أمّ قرى خراسان»مرو”، أمّا الثاني فيمتّ بآصرة قريبة إلى أمّ قرى الحجاز»مكّة”. تقع المدينتان»مرو” و”مكّة” ضمن حدود جغرافيا الفضائل الإسلاميّة، ويعلّق التراجمةُ أهمّية كبرى لمسألة الانتماء إلى أرض مخصوصة حيث يخلعون على كلّ إقليم من أقاليم دار الإسلام مزايا منحه الّله إياها. فإذا كانت أمّ قرى الحجاز مكّةُ معلومةً بالتكريم والتشريف وفي هذا الكفاية فإنّ أمّ قرى خراسان “مرو” وهي ما يسمّيها البلدانيّون”مرو الشاهجان” تمييزا لها عن مرو الرّوذ تحتاج إلى بعض التعريف. مرو الشاهجان كَوْرَةٌ تقع في القصبة من خراسان، والشاهجان لفظ فارسيّ يعني نفس السلطان أو روحه. سمّيت بذلك لجلالتها عندهم. من أبناء هذه القصبة أعلام كبار مثل أحمد ابن محمّد بن حنبل وسفيان الثوريّ. قال ابن عباس: نِعْم البلد مرو. ولنطّرحْ، مرّة أخرى، ما يدّعيه الجاحظ ومن جرى على مذهبه حين عاب أهل مرو بالبخل، وزعم أن ديكة “مرو”، وعلى عكس سائر الديكة، لا تلفظ ما تأكله للدجاجة وإنّما تسلبها ما في مناقيرها أيضًا!

 

إلى مرو ينتسب ابن قتيبة ولكنّه عاش بين مدن مختلفة منذ هاجرت عائلته إلى الكوفة. فهو مروزيّ الأصل كوفيّ المولد دينوريّ اللّقب. وبالمثل يجمع الشيخ ابن باز الانتماء المتعدّد إلى المدينة والرياض ومكّة. وعدا مسألة الانتماء إلى جغرافيا الفضائل الإسلاميّة، فقد خدم كلاهما السلطة القائمة وتقلّد مناصبها سواء كان ذلك مع الإدارة العبّاسيّة أو مع الإدارة السعوديّة فتصدّى ابن قتيبة للقضاء في دينورّ إحدى مدن إقليم الجبال، وتقلّد ابن باز رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ورئاسة هيئة كبار العلماء ورئاسة المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، ثم تقلّد منصب المفتي العامّ للملكة العربية السعودية.

توزّعت تراثَ ابن قتيبة (جميع شواهدنا من مقدّمات ابن قتيبة لـ”أدب الكاتب” و”عيون الأخبار” و”الشعر والشعراء”) شواغلُ اللّغة والأدب والدين والثقافة عامّة من “أدب الكاتب” إلى “الشعر والشعراء” إلى “عيون الأخبار” إلى “مشكل القرآن” و”معاني القرآن” و”المسائل والأجوبة” و”الردّ على المشبّهة” و”تأويل مختلف الحديث” و”غريب الحديث” و”كتاب المعارف” وغيرها. على أنّ أبرز ما يمكن أنْ يردّ إلى الرجل بناؤه لمنظومة ثقافيّة إسلاميّة سنّية كانت الأجيال عالة عليها لوقت طويل. ولمّا كان القرآن النصّ التأسيسيّ لهذه الثقافة في عرف ابن قتيبة ومعاصريه وكثير من اللاحقين أيضا فقد رأى أنّ للإلمام بنصّ مّا كالقرآن مثلا وجب الإلمام بعلوم العربيّة من لغة ونحو وبيان وأدب. وفي إطار من تلك المنظومة يتنزّل “أدب الكاتب” الذي عمله لمغفّل الأدب تذكرةً و”عيون الأخبار” الذي ثنّى به على البناء في نفس المنظومة، ثمّ “الشعر والشعراء” وسائر كتبه في القرآن والحديث التي بها تكتمل آلة الكاتب في تصوّره.

فالخلفيّة التي صدر عنها ابن قتيبة في بناء منظومته تقوم على ذلك الأخذ بصنوف الكتب والآداب والمعارف الدنيويّة والدينيّة أو ذلك المزج الطريف المركب بين العلوم الوسائل والعلوم المقاصد. بل إنّ سياسة التأليف عنده تستهدف قارئا ضمنيّا متعدّدا بما توسّله هذا التأليف من مراوحة بين الجدّ والهزل والخبر والشعر والنظر. يقول من مقدّمة “عيون الأخبارّ: “ولم أر صوابا أن يكون كتابي هذا وقفا على طالب الدنيا دون طالب الآخرة ولا على خواصّ الناس دون عوامّهم… ولا على ملوكهم دون سوقتهم… ولم أخله مع ذلك من نادرة طريفة وفطنة لطيفة وكلمة معجبة وأخرى مضحكة لئلا يخرج عن الكتاب مذهب سلكه السالكون وعروض أخذ فيها القائلون، ولأروّح بذلك عن القارئ من كدّ الجد وإتعاب الحقّ فإنّ الأذن مجّاجة والنفس حمضة… فإذا مرّ بك أيها المتزمّت حديث تستخفّه أو تستحسنه أو تعجب منه أو تضحك له فاعرف المذهب فيه وما أردنا به. واعلم أنّك إنْ كنت مستغنيا عنه بتنسّكك فإنّ غيرك ممّن يترخّص فيما تشدّدتَ فيه محتاج إليه وإنّ الكتاب لم يعملْ لك دون غيرك فيهيّأ على ظاهر محبّتك، ولو وقع فيه توقّي المتزمّتين لذهب شطر بهائه وشطر مائه ولأعرض عنه من أحببنا أنْ يقبلَ إليه معك….وإذا مرّ بك حديث فيه إفصاح بذكر عورة أو فرج أو وصف فاحشة فلا يحملنّك الخشوع أو التخاشع على أنْ تصعّر خدّك وتعرض بوجهك فإنّ أسماء الأعضاء لا تؤثم وإنّما المأثم في شتم الأعراض وقول الزور والكذب وأكل لحوم الناس بالغيب… وأحببت أنْ تجري في القليل من هذا على عادة السلف الصالح في إرسال النفس على السجيّة والرغبة بها عن لبسة الرياء والتصنّع. ولا تستشعر أنّ القوم قارفوا وتنزّهتَ وثلموا أديانهم وتورّعتَ». فإذا كان من شروط كفاية القراءة التحلّي بجملة من الخصال كالمرونة والنسبيّة وترك التخاشع والتزمّت فإنّ من كفاية المنهج التصفّح في مظانّ الكتب مهما يكن لونها وسمتها “فإنّ العلم ضالّة المؤمن من حيث أخذه نفعه ولن يزري بالحقّ أنْ تسمعه من المشركين ولا بالنصيحة أنْ تستنبط من الكاشحين..” والقراءة للمؤلّفين قديمهم وحديثهم بلا تعصّب أو اعتبارات كالمكانة الاجتماعيّة أو الزمن “ولم يقصر الله العلم والشعر والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خصَّبه قوماً دون قوم، بل جعل ذلك مشتركاً مقسوماً بين عباده في كل دهر، وجعل كلّ قديم حديثاً في عصره، وكُلَّ شَرَفٍ خارجيةً في أوله..” ولئن كان ابن قتيبة، مع ميل واضح إلى الخصومة والمناظرة والردود، قد قدّر أنّ مرجع المؤمن والعالِم واحد، وأنّ الحكمة ضالّتهما يأخذانها حيث ثقفاها فإنّ ابن باز يميل أكثر إلى البتّ والقطع فينطلق من مسلّمة مغايرة وينزّل عبرها مؤلّفاته في إطار من ذهنيّة الفتيا والرغبة في تسييج المسائل وغلق الاجتهاد وردّ التعدّد إلى الوحدة وذلك في جملة فتاويه التي بلغت مجلّدات أو رسالته “في الأدلة النقليّة والحسّية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب” أو رسالته “في التحذير من البدع” التي تشتمل على أربع مقالات (حكم الاحتفال بالمولد النبوي، وليلة الإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وتكذيب الرؤيا المزعومة من خادم الحجرة النبوية المسمى: الشيخ أحمد)، ورسالته في “نقد القومية العربية” أو “الجواب المفيد في حكم التصوير” وغيرها.

 

ينطلق ابن باز (مصدرنا في كلّ ما يلي: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة الجزء الخامس، الجزء السابع، الجزء الثامن والعشرون، الجزء الثالث والعشرون) من مفهوم غريب يرى أنّ الكتب على ضروب ثلاثة: كتب الخير وكتب الشرّ وكتب لا خير ولا شرّ. وهو تقسيم لم يمرّ بنا في قراءاتنا الطويلة في متون التراث ولا في جديده. وهو يدعو، تبعا لذلك، إلى أن يحرص المسلم على أن تكون “مكتبته خالية من الكتب التي ليس فيها خير أو التي فيها شرّ”. ويرى الشيخ أنّ “هناك كتبًا يقال أنّها كتب أدب، لكنّها تقطع الوقت وتقتله في غير فائدة،وهناك كتب ضارة ذات أفكار معيّنة وذات منحى معيّن، فهذه أيضا لا تدخل المكتبة”. ويستخلص من وراء ذلك أنّ “كلّ كتب تضرّ فلا تدخل مكتبتك، لأنّ الكتب غذاء للروح كالطعام والشراب للبدن فإذاتغذّيت بمثل هذه الكتب صار عليك ضرر عظيم واتّجهت اتّجاها مخالفا لمنهج طالب العلم الصحيح”.ويدعو الشيخ إلى أنّه “يجب على طالب العلم أن يحرص على الكتب الأمّهات الأصول دون المؤلفات حديثا، لأنّ بعض المؤلّفين حديثا ليس عنده العلم الراسخ، ولهذا إذا قرأت ما كتبوا تجد أنّه سطحيّ… فعليك بالأمّهات كتب السلف فإنّها خير وأبرك بكثير من كتب الخلف..” ويسترسل في تعليل النأي عن كتب المحدثين فيقول “لأنّ غالب كتب المتأخرين قليلة المعاني كثيرة المباني تقرأ صفحة كاملة يمكن أن تلخّصها بسطر أو سطرين..”. يقرّر الشيخ ابن باز برنامج القراءة لمن له حظّ من العلم ولمن لم يتمكّن منه. وضع الشيخ للفريق الأوّل من القرّاء ثلاث خانات متداركة “فأوّل الكتب وأعظمها القرآن الكريم، ثمّ كتب السنّة الصحيحة، كالبخاري ومسلم وغيرهما من كتب السنّة المعروفة كأبي داود والترمذيّ والنسائيّ وابن ماجة وسنن الدارميّ ومسند أحمد بن حنبل وموطّأ مالك، وهذه من أنفع الكتب.” ووضع للفريق الثاني برنامجا لا يقوم على الفهم وإنّما على الحفظ فليس أمام هذا الفريق إلاّ “حفظ كتاب الله الكريم، مع حفظ المؤلّفات المختصرة في العقيدة والحديث الشريف مثل: كتاب “التوحيد و”الأصول الثلاثة” و”كشف الشبهات” و”آداب المشي إلى الصلاة” للإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، و”العقيدة الواسطية” لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، و”بلوغ المرام” للحافظ ابن حجر، و”عمدة الحديث” للحافظ عبد الغني المقدسي، و”الأربعين النووية” وتكملتها للحافظ ابن رجب، و”زاد المعاد في هدي خير العباد” و”الصواعق المرسلة على الجهميّة والمعطّلة” و”اجتماع الجيوش الإسلامية” و”القصيدة النونية” و”إغاثة اللّهفان من مكايد الشيطان” لابن القيّم”. ويوصي الشيخ على سبيل التوسّع بمطالعة الكتب الآتية: “فتح المجيد” و”رياض الصالحين” و”الوابل الصيب” و”زاد المعاد” و”جامع العلوم والحكم” للحافظ ابن رجب… وأشباهها من الكتب المفيدة المختصرة..”

ليس في هذه القائمة عنوان واحد في الأدب أو اللّغة أو التاريخ بل ليس فيها من كتب الفرق الإسلاميّة أو الأصولييّن أو الفقهاء الذين عاشوا في الإسلام المبكّر. ويقدّر الشيخ أنّ تحصيل العلم من طريق الرواية قبل الدراية، فالسماع من الشيوخ أجلّ وأنفع من القراءة في الكتب لأنّ السماع من الشيوخ والرواية عنهم ضمينان للتقليد والاتّباع كما هو منتظرٌ. وهكذا يجيب الشيخ أحد سائليه عن قول بعضهم: من كان شيخُه كتابَه ضلّ عن صوابه. فيقول: “إنّ من لم يدرس على أهل العلم، ولم يأخذ عنهم، ولا عرف الطرق التي سلكوها في طلب العلم، فإنه يخطئ كثيراً، ويلتبس عليه الحق بالباطل، لعدم معرفته بالأدلّة الشرعيّة والأحوال المرعيّة التي درج عليها أهل العلم، وحققوها وعملوا بها”. وبناء على هذا التأسيس الفقهيّ لمسألة الكتب والقراءة يفتي الشيخ ابن باز بحرمة بعض الكتب ويضع في ذلك قائمة للممنوعات حوت فيما حوته كتبا لفقهاء مثله. تقول ديباجة الفتوى بعد البسملة والتصلية وفصل الخطاب: “فإنّه لا يخفى كثرة انتشار الكتب التي تحمل العناوين البرّاقة باسم الإسلام وقد تبيّن لي في كثير منها الخطر على عقيدة المسلمين، فرأيت أنّ من الواجب عليّ التنبيه وتحذير القرّاء ممّا يحمله بعضها من الأفكار الهدّامة والعقائد المضلّلة والدعوة إلى التحلّل الخلقيّ. وسوف أوالي إن شاء الله تباعاً نشر أسماء الكتب المذكورة التي يجب منع دخولها إلى المملكة أو طباعتها فيها أو بيعها في المكتبات التجاريّة داخل المملكة نصحاً لله وعباده وحماية للمسلمين من شرّ ما فيها”. وضمت القائمة الأولى جملة من العناوين نورد بعضها (ما بين القوسيْن من تعليقنا )

 

–  تبسيط العقائد الإسلامية، مؤلّفه حسن أيّوب ( مصريّ من علماء الأزهر عمل أستاذا للثقافة الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز ثمّ أستاذا بمعهد إعداد الدعاة بمكّة المكرّمة. له أكثر من 100 شريط كاسيت وفيديو ومجموعة من الكتب في فقه العبادات والعقائد والجهاد منها الكتاب المعنيّ “تبسيط العقائد الإسلاميّة ” )

–  تفسير معاني القرآن، مؤلّفه شبير أحمد عثمان / ترجمة محمد إشفاق أحمد ( شبير أحمد عثمان من جمعيّة أهل الحديث في بريطانيا. ويأخذ السلفيّون على الجمعيّة وعلى رئيسها دعوتهم إلى الديمقراطيّة وإقامتهم علاقات مع برلمانات أوروبيّة واختلاطهم بالنساء والكفّار في هذه الأماكن.)

 – موسم الهجرة إلى الشمال، مؤلّفه الطيب صالح (طبعًا )

 – أبو العلاء المعرّي، مؤلّفه أحمد الطويلي (كاتب تونسيّ مولع بالنشر غزير الإنتاج )

 – خمسة من أبناء النبيّ، مؤلّفه صلاح عزّام (كاتب صحفيّ مصريّ اهتمّ بالكتابة في الفكر الإسلاميّ )
 – الصلاة (مسوّدة)، مؤلّفه يعقوب محمد إسحاق (كاتب وأديب سعوديّ والطريف أنّ التحريم اتّجه إلى المخطوط أصلاً درءا للخسائر الماليّة ورأفةً بالكاتب! )

 – مقدّمات وأبحاث، مؤلّفه محمود عبد المولى (باحث تونسيّ متمرّد على المؤسّسة الأكاديميّة والاجتماعيّة )

 – الإمام السرهندي حياته وأعماله، مؤلّفه أبو الحسن الندويّ ( باحث إسلاميّ هنديّ. قال عنه الشيخ يوسف القرضاوي حين بلغه نعيه إنّه إمام ربّانيّ إسلاميّ قرآنيّ. ومدحه الشيخ محمّد الغزاليّ ومدح توجّهه الأدبيّ في كتاباته الفكريّة التي تذكّر بمحمّد إقبال. مُنح الندويّ جائزة فيصل العالميّة. )

 

هذه عناوين قليلة اقتبستها من قائمة المنع الطويلة. وليس وجه الغرابة في إدراج ابن باز لأسماء من “علماء” الدين وحسب، ولكنّ مكمن الغرابة أيضا في أمور ثلاثة:

 1- تخضع النشريّات في بعض دول العالم الثالث إلى ما يعرف بالإيداع القانونيّ وعبره تعطي السلطة التنفيذيّة ترخيصا بالطبع أو تمتنع عنه. كما أنّ المعتاد أن تضع الدول وعبر أجهزتها الرقابيّة قائمة في الكتب الممنوع دخولها، وحجّتها في كلتا الحالتيْن مخالفةُ هذه الكتب للقوانين أو للأخلاق والأديان.

أمّا أنْ تمارس مؤسّسة دينيّة وظيفة الترخيص أو المنع من التداول لما تراه من الكتب فهذا أمر خطير لأنّه يكشف وبكلّ سفور عن تواطؤ بعض النظم القائمة في المنطقة مع “المراجع” الدينيّة وتخلّيها لفائدتها عن بعض مهامّها القانونيّة والمدنيّة (مؤسّسة الإفتاء وهيأة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية أو الأزهر في مصر وغيرها) والغاية من هذا الحلف “المقدّس” خنق حرّية التفكير والرأي والتعبير والنشر.

 2- لا يمكن أنْ أفهم كيف ليد الشيخ ابن باز أنْ تطال أعلامًا مجدّدين مصلحين كمحمّد عبده ومحمّد رشيد رضا لتعدّهم من المبتدعة ولا تجرؤ اليد ذاتها على تدعيم قائمة المنع بإضافة أسماء أخرى لزنادقة ومنافقين ومشعوذين ومُقيّنين أيضا ولكنّهم من ذوي السلطان أو يتقلّبون في دوائر السلطان كَبَنِي وطنه أصحاب فضائيّات “اللّحمة الحيّة” أو فضائيّات “حديث خُرافة” التي تكاثرت حتّى لا يحصيها عدّ. أم إنّ التصدّي لخطر الكتّاب والكُتب، ولو كانت لأقلام ذات ميول إسلاميّة تختلف عن وصايا الإمام محمّد بن عبد الوهاب عامّة وميول الشيخ ابن باز خاصّة، أوكدُ وأولى بالمرء المسلم المحتسب ناهيك بالمتصدّي للفتيا والحسبة.

 3- قال ابن تيميّة أحدُ من يستشهد بهم الشيخ ابن باز ويدعو إلى قراءة كتبه (تفسير سورة الإخلاص، المطبعة الحسينيّة، 1323 هـ ص86 ): “هو- يعني ابن قتيبة – لأهل السنّة مثل الجاحظ للمعتزلة فإنّه خطيب أهل السنّة كما أنّ الجاحظ خطيب المعتزلة..”. ولذلك لم يكن مستغربا أن يحمل ابن قتيبة على الفلسفة اليونانية معتبرا إياها ثقافة مستعارة هجينة ويثور على أهل الكلام والاعتزال وينقد الجاحظ. ولكنّه، في النهاية، كان متسامحا فلم يدع إلى إحراق كتب خصومه أو منع الناس من قراءتها ولم يضع برنامجا مقرّرا في الكتب يحكمها الحظر والتحريم والإباحة والندب والكراهة.

 

يعود بنا ما تقدّم إلى عنواننا المسجوع لمقالنا المفجوع: الركاز في صيحة ابن قتيبة وفتوى ابن باز. وقد رمنا به محاكاةً ساخرةً لتقاليد العنونة في ثقافتنا العربيّة، وسوّغ لنا ذلك ما وجدناه في المعاجم من معنى الركاز. وهو دفائن الأرض من معادن وكنوز وغيرها، فاعتبرنا أنّ المخبوء حقّا في مسيرة الرجليْن هو النظام المعرفيّ ووضعيّات الخطاب والذهنيّة العامّة التي كانت تقود كليهما. وقادنا هذا الخبيء إلى أنّ فقهاء المسلمين في عصور تألّقهم واقتدارهم ومقايضتهم الحضاريّة لسائر الأمم كانوا أكثر تسامحا وقبولا بالآخر ورضا بالنقد من فقهاء العصور المتأخّرة الذين جاؤوا وقد خبت الشعلة وحلّ الضعف وكفّ التثاقف وعمّ النكوص.

كانت صيحة ابن قتيبة صيحة الوداع أو إنّها كانت وداعا حزينا لا يفوته حزنا ومأساوية إلاّ وداع رجل آخر قضى صريع الكتب التي نبّه إلى حرمتها الشيخ ابن باز. ذلك كان من ثارات الكتاب، وللكتب، عندهم، آفاتٌ. وهكذا، يقتحم الجاحظ مقالنا، بعد أنْ أهملته قصدا رغم ما في كتابه “الحيوان” وفي مقدّمته تخصيصا من صفحات هي من أجمل وأفضل وأغزر ما قيل في تقريظ الكتاب ومديح الكتابة. أهملته، في مقام المقايسة مع ابن باز، لأنّ الجاحظ مرميّ بنابٍ مشكوك في عقيدته متّهم بالاعتزال. ومهما جهدنا في استبعاده، منذ البدء، فإنّه ما يعتم حتّى يطلّ بعينيْه الجاحظتيْن حاكيا مقالة أستاذه أبي إسحاق النظّام (من الحيوان ص 59 ) لتكون له من دون صاحبيْه الخواتيمُ: “وقال أبو إسحاق: كَلّّف ابنُ يسير الكتبَ ما لا ليس عليها. إنّ الكتبَ لا تُحيي الموتى ولا تحوّل الأحمق عاقلا ولا البليد ذكيّا، ولكنّ الطبيعة إذا كان فيها أدنى قَبول فالكتبُ تشحذ وتفتق وتُرهف وتَشفي. ومن أراد أنْ يعلم كلّ شيء فينبغي لأهله أنْ يداووه!”