هل خسرت إسرائيل الحرب؟حوار مع المؤرّخ الإسرائيليّ شلومو ساند ترجمة مختار الخلفاوي

شلومو ساند 

 

 [هلْ ثمّة، في حربٍ، منتصرٌ مّا؟ سؤالٌ يُطرح، على استحياء، في هذه الضفّة أو تلك من أرض المعارك ” المقدّسة “. في هذا الطور المهمّ من التقييم والمراجعة أعني طور ” ما بعد غزّة “، ينبغي لمثل هذا السؤال أن يطرح رغم الجلبة التي تضيق به والضجّة التي تحجبه وتغطّي عليه. للأسف، ما تزال ضجّة المنتصرين تعلو على كلّ صوت. لكنْ، من بين الأصوات المحتشدة من هذا البرّ أو من ذاك، تصلنا، خافتة، أصواتٌ تضع الخطاب الانتصاريّ موضع التساؤل والرهان.

هل النصرُ إلاّ صبرُ ساعة؟ ولكنْ ما بعد الصبر؟ ها قد مضت الساعات والأيّام لتكشف عن حقيقة منبوذة: هو نصر مزعوم، في هذا البرّ وفي ذاك، مادام لا يحقّق مكاسب سياسيّة على الأرض أو لم يقد إلى تحقيق الأهداف التي من أجلها أعلنت الحرب.

الحديث عن الهزيمة أكثر وجاهة. هزمت إسرائيل ساعة أعلنت حربا عدوانيّة همجيّة ضدّ الأطفال والنساء والأبرياء، لتنسحب بعد ثلاثة أسابيع مخلّفة الدمار والخراب والموت ولتثبت مرّة أخرى أنّها فوق القانون الدوليّ وفوق المحاسبة. وانهزمت حماس التي عجزت عن إدارة الصراع بواقعيّة مع الداخل والخارج، وبدت مستعدّة لتقديم الشعب الفلسطينيّ قربانا لكيْ تثبت أهليّة في القيادة تنتهي إلى القبول بها محاورا جديدا.

من هذه الزاوية الأخلاقيّة المحض، أجد أنّ شلومو ساند Shlomo Sand – وهو نموذج المثقّف النقديّ في الضفّة الإسرائيليّة – يلتقي مع المثقّف النقديّ في العالم العربيّ. كلاهما صرخة في وجه ما يجري وما يخطّط له من تدمير وتخريب وقتل وأحقاد وثارات.

شلومو ساند أحدُ الوجوه الثقافيّة الكبيرة في إسرائيل الذين أدانوا مجزرة غزّة، ما زال يحلم بـ ” جمهوريّة إسرائيليّة ” لكلّ مواطنيها بعد أنْ ألقى، العام الماضي، قنبلة ثقافيّة من وزن ثقيل ( ما دمنا في مقام الحرب ) بكتابه المثير: كيف تمّ اختراع الشعب اليهوديّ؟ في هذا الكتاب، يضع شلومو ساند الأساطير المؤسّسة لإسرائيل موضع المساءلة ولكنّه، أيضا، يثير، حيثما اتّجه، جدلا واسعا كالجدل الذي سيثيره حواره التالي.

في هذا الحوار الذي نشرته ” تليراما “ ( 1) على خلفيّة الجدل الثائر في إسرائيل حول سؤال كبير معلّق: هل خسرت إسرائيل الحرب؟ يقدّم شلومو ساند بين يديْ الضمير الأخلاقيّ الكونيّ المثل القياسيّ التالي: طفلٌ جاء إلى الدنيا من عمليّة اغتصاب. هل الحلّ، لكيْ نصلح الأمر، في أن نقتله؟ أم أنّ الحلّ في أنْ نوفّر له فرصة أن يعيش بأمان على أنْ لا يسمح بتكرار ما حصل له مع الآخرين، فلا يعتدي ولا يظلم ! ] المترجم

كيف تقيّم حصيلةَ الهجوم الإسرائيليّ على غزّة؟

كان التوقيت الانتخابيّ مثاليّا ! إيهود باراك من خطّط لهذه الحرب الخاطفة أو بالأحرى هذا الطوفان من قنابلَ لا تضع حياة الجنود الإسرائيليّين في خطر، لِتُسْحَب الدبّابات قبيل الانتخابات الإسرائيليّة وعشيّة تنصيب أوباما رئيسا للولايات المتّحدة. لقد زرعنا الدمار وقتلنا 1300 فلسطينيّا وجرحنا أكثر من 5000 ثلثاهم من النساء والأطفال. هل أزيحت حماس عن الحكم؟ هل دعمنا شقّ السلام في الصفّ الفلسطينيّ؟

ولكنّ الرأي العامّ الإسرائيليّ ساند هذه الحرب. أنتَ صوتٌ مختلفٌ..

لقد بلغتُ أوج مسيرتي الجامعيّة، وليس لي ما أخسره، ولست خائفا. حقّا، أشعر كمْ أنا وحيدٌ. ولكنْ، لا تنسَ أنّ قرابة عشرة آلاف شابّ تظاهروا في تلّ أبيب يوم 3 جانفي. لم يحدث نوع من التعبئة بهذا الاتّساع حتّى مع بداية الحرب ضدّ حزب الله في العام 2006 . كانت مظاهرة على درجة من التسييس شارك فيها أقصى اليسار وعرب إسرائيل الساكنون في تلّ أبيب ويافا على حدّ السواء.

لقد صدّق اليسار على قصف غزّة بل وفعل ذلك كتّاب مثل عاموس عوز Amos Oz أو أفراهام بن يشوع Avraham B. Yehoshua ..

تلك عاداتنا. في كلّ بداية حرب، منذ 1973 تحظى إسرائيل بمساندة كاملة من مثقّفي اليسار الصهيونيّ. ما علينا إلاّ انتظار بضعة أسابيع لكيْ يغيّروا من آرائهم. اليوم، نفتقد بقوّة الأستاذ يشعياهو ليبوفيتش Yeshayahou Leibowitz ذلك الفيلسوف العظيم ( 1903 – 1994) الذي قاوم، باستمرار، ضدّ حروب إسرائيل غير الدفاعيّة. لقد ترك فراغا أخلاقيّا مهولا..

تقول إنّ هذه الحرب لم تكنْ دفاعيّة، ولكنّ القذائفَ الصاروخيّة كانت تسقط على المدن الإسرائيليّة؟

بالتأكيد، ليس من الطبيعيّ أنْ تنزل القذائف على إسرائيل. ولكنْ، هل من الطبيعيّ أنّ إسرائيل لم تقرّر، إلى الآن، ما هي حدودها؟ هذه الدولة التي لا تتحمّل الصواريخ هي أيضا دولة لا تريد أنْ تقبل بحدود 1967. لقد رفضت إسرائيل المبادرة العربيّة سنة 2002 ، وهي مبادرة تعترف اعترافا كاملا بإسرائيل ضمن حدود 1967.

ولكنّ حماس لا تعترف بإسرائيل..

لقد عرضت حماس- هذه الحركة الغبيّة غير الديبلوماسيّة – هدنةً طويلة المدى في غزّة والضفّة الغربيّة رفضتها إسرائيل لأنّها تريد أن تستمرّ في تصفية مناضلي حماس في الضفّة الغربيّة. وفعلا، صفّت قرابة 15 منهم في أكتوبر ونوفمبر بعد أشهر من الهدوء. إذن، تتحمّل إسرائيل نصيبا من المسؤوليّة في استئناف إطلاق الصواريخ. وعوضا عن دعم التيّار المعتدل في حماس، تدفع إسرائيل الفلسطينيّين إلى اليأس. لقد حشرنا سكّانا بأكملهم في معازل ( غيتوهات ) ورفضنا أنْ نمنحهم سيادتهم منذ 42 عاما. ولأريحيّتي تجاه إسرائيل، فإنّي أقول منذ 20 عاما فقط، أي منذ 1988 التاريخ الذي اعترف فيه عرفات والسلطة الفلسطينيّة [ السلطة الوطنيّة الفلسطينية ظهرت بعد أوسلو 1993، والمقصود منظّمة التحرير الفلسطينيّة – المترجم ] بدولة إسرائيل دون أنْ يكسبوا شيئا في المقابل. للتوضيح، فإنّي لا أتّفق مع مواقف حماس، وخاصّة مع أيديولوجيّتها الدينيّة لأنّني رجلٌ علمانيّ ديمقراطيّ ومعتدل بما فيه الكفاية. كإسرائيليّ وكإنسان، لا أحبّ الصواريخ. غير أنّني كإسرائيليّ ومؤرّخ، لا أنسى أنّ من يطلق هذه الصواريخ هم أبناء وأحفادُ مَن هُجِّروا من يافا وعسقلان العام 1948.

أنا – شلومو ساند – أحيا على أرض كانت أرضَ هؤلاء اللّاجئين. لا أقول إنّه من الممكن لي أنْ أردّ عليهم تلك الأرض. ولكنّني أقول إنّ أيّ عرضٍ للسلام ينبغي أنْ ينطلق من هذا الإثبات. من ينسَ ذلك لن يتمكّن، أبدا، من أنْ يمنح الفلسطينيّين سلاما عادلا.

ولكنّ إسرائيل، كما يقول أنصار القصف، انسحبت من غزّة فيما تضاعف إطلاق الصواريخ..

هذا عبث ! تصوّرْ أنّ الألمان، اليوم، يحتلّون – وكما فعلوا سنة 1940- شمال فرنسا دون جنوبها. هل تقول إنّهم يحترمون حقّ تقرير المصير للفرنسيّين؟ انسحب شارون من غزّة انسحابا أحاديّا حتّى لا يصنع السلام مع عرفات ولا يعترف باحتلال الضفّة الغربيّة. إنّ الفلسطينيّين لم يطالبوا بمحميّةً للهنود الحمر في غزّة ! هم يطالبون بدولة فلسطينيّة مستقلّة في الضفّة الغربيّة وغزّة.

كلّ الشنائع إسرائيليّة، إذنْ؟

مع الأسف، إسرائيل لا تفهم إلاّ القوّة. إنّ ما يمنع من إمضاء اتّفاقيّة سلام عادل في بداية هذا القرن الحادي والعشرين ليست الصواريخ، ولكنّه الضعف الفلسطينيّ. لم تمض إسرائيل اتّفاقيّة سلام مع السادات سنة 1977 إلاّ لأنّ مصر قد كسبت نصف انتصار سنة 1973.

ولكنّ كبير حاخامات فرنسا جيل بيرنهايم Gilles Bernheim قال، مع ذلك، أنّه ” ينبغي لإسرائيل أنْ لا تسعى إلى حتفها باسم العواطف النبيلة “..

عَلَامَ هذا الحديث؟ ما الذي يتهدّد وجودَنا؟ لدينا التسلّح الأمثل والمساندة من القوّة العالميّة الأعظم. العالم العربيّ يعرض علينا سلاما شاملا في حدود 1967. إنّ آخر حرب هدّدت وجود إسرائيل تعود إلى خمسة وثلاثين عامًا ! ألا يفهم ذلك هذا الحاخام الأكبر؟

ليس الحاخام [هو وحده من يقول هذا الكلام ]. كتب أندري غلوكسمان André Glucksmann عن القصف الإسرائيليّ على غزّة قائلا إنّ ” الرغبة في البقاء على قيد الحياة تبرّر فعل أيّ شيء..”

-أنت تحدّثني عن رجل عشق ماو Mao ! إنّ جماعة 1968 هؤلاء الذين ساندوا كلّ الفظائع الصينيّة لم يقوموا، البتّة، بنقد ذاتيّ ولم يفهموا لِمَ كانوا عوناً للكليانيّة. إلى اليوم، ما يزال أندري غلوكسمان كما برنار هنري ليفي Bernard-Henri Lévy إلى جانب القوّة، ولكن في القدس هذه المرّة. لم يتغيّروا…

ولكنّ برنار هنري ليفي ذكّر بأنّ جيش الدفاع الإسرائيليّ كان قد اتّصل هاتفيّا بالسكّان يطلب منهم الهروب من القصف وأنّ إسرائيل قد فعلت كلّ شيء لتجنّب الضحايا المدنيّين..

آه. لقد لقد اتّصلت إسرائيل هاتفيّا واتّخذت احتياطات !! ولكنْ، إلى أين تمضي العائلات الفلسطينيّة؟ حقّا، لقد اتّخذت إسرائيل احتياطات شتّى، ولكن لفائدة جنودها ! هؤلاء الموتى، هناك، يشغلوننا كثيرا ما دمنا قد صرنا مجتمعا فردانيّا غير مكترث، فيما قادتنا مهمومون بإعادة انتخابهم.

يذكّر ( ب.هـ. ل ) أنّ حماس قد استعملت استراتيجيّة الدروع البشريّة..

ياله من نفاق ! هل نسِي ماو: ينبغي على كلّ حركة مقاومة أنْ تذوب في السكّان كما تنساب السمكة في الماء؟ !

حماس ليست جيشا. إنّها حركة مقاومة إرهابيّة تتصرّف مثل كلّ الحركات التي سبقتها: الفيتكونغ أو جبهة التحرير الوطنيّ الجزائريّة ( FLN ). ولأنّ قادتنا يعرفون هذا تماما، عليهم أنْ يقدّموا الحلول الدبلوماسية لكي لا يرتكبوا تلك المجازر ضدّ المدنيّين. لقد برهنّا على أنّه ليس لدينا أيّ تحفّظ أخلاقيّ ما يفوق فرنسا التي دمّرت سنة 1957 في الجزائر قرى بأكملها. الآن، أكثر ما يصدمني أن الدولة التي خدمتها، جنديّا، طيلة حربيْن – والتي تقدّم نفسها منذ إعلان استقلالها سنة 1948 على أنّها دولة كلّ اليهود – تنتمي إلى برنار هنري ليفي أكثر من أصدقائي الجامعيّين الذين يعيشون هنا ويدفعون ضرائبهم هنا، ولكنّهم من أصول عربيّة. ماذا يعني أنْ تكون صهيونيّا، عندما تحيا في فرنسا وترفض أن تعيش تحت الإدارة اليهوديّة ولكنّك تتماهى مع سياسة قادة إسرائيل الخرقاء؟ ذلك لا يعني إلاّ العمل على تصاعد معاداة الساميّة.

بصراحة، ألم تصدم أنّه، أثناء المظاهرات في باريس، أحرقت أعلامٌ إسرائيليّة؟

طبعا، ذلك يؤسفني. ومن أجل ذلك، من المهمّ أن يقع الاستماع إلى الإسرائيليّين الذين يفكّرون مثلي . لنضع حدّا لهذا الانحراف. لنعمل على عدم الخلط بين سياسة قادة إسرائيل وبين سائر الإسرائيليّين، وطبعا سائر اليهود لأنّني على يقين أنّ كثيرا من اليهود الفرنسيّين، بعيدا عن دائرة الحكم، يقاسمونني وجهة نظري.

ولكنّ فلسطينييّ الضفّة الغربيّة لم يحرّكوا ساكنا…

لقد زادت هذه الحرب يأسَهم. يبدو أنّ محمود عباس، منذ مؤتمر أنابوليس في نوفمبر 2007 ، مستعدّ لأيّ احتمال من أجل التقدّم بمسار السلام. هو يعتقل مناضلي حماس وتكافئه إسرائيل بمواصلة الاستيطان وبناء الجدار العازل على أرض الدولة الفلسطينيّة القادمة. أيّ فلسطينيّ له مصداقيّة يمكن له أنْ يساند عباس الآن؟

وكيف ترى حال عرب إسرائيل؟

أنا في اتّصال مستمرّ مع طلبتي العرب. إنّه لأمر فظيع. هم ، في الغالب، يتحدّثون بعبريّة أفضل منّي. أراهم كلّ يوم يصيرون أكثر إسرائيليّةً، من وجهة النظر الثقافيّة، وأكثر عداءً لإسرائيل من وجهة النظر السياسيّة. كيف يعيشون في بلد لا يقبل بهم مواطنين كاملي الحقوق؟ أخشى أنْ ينتهي اغترابهم إلى ” كوسوفو ” في الجليل.

أنت تطلب من الإسرائيليّين أمرا جسيما. تطلب منهم أن يتخلّوا عمّا وراء حدود 1967 ما عدا حائط المبكى، وأن ينشئوا جمهوريّة إسرائيليّة لن تكون قطعا دولةً لليهود..هل هذا واقعيّ؟

كثير من الناس في إسرائيل يساندون وجهة نظري. كان كتابي الأكثر مبيعا لتسعة عشر أسبوعا، وقدّمتُ قرابة العشر حصص تلفزيونيّة. ربّما، نحن مجتمع عنصريّ وليس ديقراطيّا كما ينبغي، ولكن في العمق نحن في مجتمع ليبرالي تعدّديّ. علام يُعْتَرَض على شخص مثلي ينادي بأن تكون إسرائيل دولة لمواطنيها اليهود والعرب أو غيرهم؟ وأضيف: بعد هتلر، لا يمكن أن ننكر التضامن بين اليهود وأنّ دولة إسرائيل ملاذ لليهود المضطهدين، وليس أن تكون، آليّا، دولة برنار هنري ليفي وكلّ اليهود الذين يرفضون أن يعيشوا في إسرائيل.

هل أنت ضدّ الصهيونيّة؟

كلاّ، لأنّ المرء إذا عرّف نفسه بكونه ضدّ الصهيونيّة سيُحمَلُ على أنّه ضدّ إسرائيل. غير أنّي أدافع عن وجود دولة إسرائيل، لأنّني أقبل ثمَرة المشروع والتاريخ الصهيونيّيْن: المجتمع الإسرائيليّ. ومع ذلك، لست صهيونيّا، لأنّ الذي يبرّر وجودي هنا هو كوني ديمقراطيّا. ذلك يعني أنّ الدولة ينبغي أن تكون تعبيرا عن جسمها الاجتماعيّ لا تعبيرا عن يهود العالم بأكمله. يمكن لك أنْ تقول إنّي ” ما بعد صهيونيّ ” ( post-sioniste ).

ولكنْ ألا يُخْشى أنْ ينقلب اليهود إلى أقلّية في دولة هم الذين أنشؤوها؟

أتفهّم هذه الخشية. ولهذا السبب، أقف ضدّ الدولة الواحدة لشعبيْن- وهي دولة ستكون الأغلبيّة فيها للعرب- وأدعو الإسرائيليين إلى التراجع فورا وبأسرع وقت ممكن إلى حدود 1967. والقصد هو المحافظة على الأغلبيّة اليهوديّة – الإسرائيليّة. ولكنّها ليست أغلبيّة حصريّة. ينبغي على الجمهوريّة الإسرائيليّة أن تكون علمانيّة وديمقراطيّة. ورغم كلّ شيء، ففي اليوطوبيا الخاصّة بي وفي عالمي الخياليّ، تبقى الدولة الواحدة ذات القوميّتيْن أعدلَ الحلول.

ولو بأقلّية يهوديّة؟

إنّ المسافة التي ستفصلني عن أحفادي ستكون، ثقافيّا على الأقلّ، مساوية للمسافة التي تفصلني عن أجدادي. هذا يعني أنّ الحياة في الشرق الأدنى لا تكون إلاّ عبر التعايش مع الثقافة العربيّة. بلْ أتمنّى كونفدراليّة إسرائيليّة فلسطينيّة فوريّة بعد أن تنسحب إسرائيل إلى حدود 1967. إنّه من الغباء العنصريّ أن نقول كعاموس عوز أنّه علينا تطليق العرب. في حالة السلام، سنصير عربًا بشكل مّا كما صرتم أنتم الفرنسيّين أوروبّيّين بنفس القدر.

ولكنْ، في مقابل مجتمع إسرائيليّ علمانيّ في أغلبه ثمّة مجتمع فلسطينيّ أكثر إسلامويّة ممّا كان عليه منذ ثلاثين أو أربعين عاما؟

لم يصرْ الشباب العربيّ في إسرائيل أكثر تديّنا وخصوصا النساء. الأصوليّة تعلن عن نفسها في وجه الغرب. وذلك ليس قرينة على أنّ الدينيّ قد انتصر، ولكنّه دليل على فشل الاشتراكيّة العلمانيّة في الشرق الأدنى مضافا إليه معاملتكم أنتم الأوروبّيّين للعمّال المهاجرين وسياسة الأمريكيّين في حرب العراق ومعاملة إسرائيل للفلسطينيّين. الأصوليّة ثمَرة الأزمات وليست امتدادا لتيّار تاريخيّ سويّ. انظروا ما يحدث في الجزائر، لقد كان الإسلام السياسيّ نتيجة لتعفّن سياسة جبهة التحرير الوطني ( FLN )، ولم يكن تطوّرا في العمق. وستتحوّل الجزائر إلى الحداثة، وكذلك حماس من جانبها لم تكفّ عن الرغبة في أن تكون حركة قوميّة حديثة رغم لبوسها الإسلامويّ.

نقضتم في كتابكم الأساطير المؤسّسة لشعب إسرائيل العائد إلى أرضه من رحلة التيه. فبمَ ستبرّر وجود هذا البلد، إذن؟

سُئلت، أخيرا، هذا السؤالَ في جامعة القدس الفلسطينيّة. لقد أجبت بطريقة مأساويّة نوعا ما. إنّ طفلا جاء إلى الدنيا من عمليّة اغتصاب له الحقّ في الحياة ! إنّ إنشاء إسرائيل من قبل يهودٍ – الكثيرُ منهم كانوا من الناجين من معسكرات الإبادة – هو عمليّة اغتصاب ضدّ السكّان العرب في فلسطين. هذا الاغتصاب أنشأ المجتمع الإسرائيليّ الذي تشكّل على مدى سبعين عاما ونمّى ثقافته. لا نعالج مأساة بخلق مأساة أخرى. لهذا الطفل الحقّ في الوجود، على أنْ نعلّمه لكيْ لا يستعيد صنيع أبيه. لو كنّا قبل ثلاثين سنة لما قلت، ربّما، هذا الكلام. ولكنّ العالم العربيّ قد اعترف بإسرائيل. كذلك، فعلت منظّمة التحرير الفلسطينيّة بعد نصف الانتصار الذي حقّقته الانتفاضة ( الأولى ). لنعط حماس فرصة أيضًا. ودون أن نبحث عن أعذار لها، لا ننس أنّ الذين يطلقون صواريخهم على عسقلان يعرفون أنّها بُنيت على أنقاض قرية عربيّة كبيرة في المجدل التي منها طرد آباؤهم سنة 1950.

أنت تنأى كثيرا عن السياسة الإسرائيليّة…

إسرائيل لا تبرم سلاما إلاّ إذا تمّ الضغط عليها. أتمنّى، بلْ آمُلُ، بل أتضرّع لأنْ يكون أوباما مثل كارتر لا مثل كلينتون. لقد أرغم كارتر إسرائيل على إبرام السلام مع مصر، بينما لم يفعل كلينتون ما يحمل إسرائيل على إبرام سلام مع الفلسطينيّين. بالتأكيد، فإنّ ما أخشاه هو أنْ تستأثر هيلاري كلينتون المقرّبة من اللّوبي الداعم لإسرائيل بمساحة كبيرة في السياسة الخارجيّة. لا أريد أن أكون قدريّا.. أرجو ذلك.

 

 

 

1- Télérama n° 3081/ 29 Janvier

Propos recueillis par Vincent Remy

نشر في الأوان

Advertisements

2 تعليقان

  1. هذا تبرير غير مقبول المشكلة اليهودية مشكلة اوروبية في الاصل لم يقبل اليهود بالاندماج في المجتمعات الاوروبية او ان المجتمعات الاوروبية دمجهم فلماذا يكون الحل بترحيلهم الى فلسطين حيث يوجد شعب يقطن فيها من الالاف السنيين ويطرد ويشرد ويقتل بافتك الاسلحة وامضاها لماذا لم تحل اوروبا المشكلة اليهودية بتوطين اليهود بفرز ارض لهم داخل اوروبا يقيمون عليها دولتهم لماذا لم يعطوا جزيرة من الجزيرة الكثيرة غير المأهولة في المحيط ؟!! الكيان الصهيوني كيان اريد به فصل المشرق العربي عن المغرب العربي واستدامة الصراع اليهود في فلسطين هم غير اليهود التاريخيين الذين اختفوا من التاريخ قبل الفين عام انهم من متهودة الاوروبيين من روسيا واكرانيا ومولدافيا وبلغاريا الخ يجب ان يرحل المتهودة الى بلدانهم التي تواجدوا فيها اكثر من فلسطين او يرغم المجتمع الدولي ان كان منصفا على اقامة دولة علمانية مثل جنوب افريقيا تضم الجميع والا فان الصراع مستمر بين سارق الارض الغريب وصاحب الارض الحقيقي

  2. أوافقك في الخيار الثاني: إقامة دولة علمانيّة لليهود والفلسطينيين. وهو خيار لن يقبل به الإسرائيليون بالتأكيد.
    أرى أنّ العرب والمسلمين عليهم أن يغيروا من أشكال نضالهم بما يعود بالنفع على قضاياهم ومطالبهم. أمّا الاستمرار في خسران العالم والتفريط في كلّ صوت يساند قضاياهم فهذا غير مقبول.

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: