مَنْ تمنْطَقَ تَزَنْدق: عــــــــن الفتنـــــــة اليونـــانيّـــــة في دار الإسلام ! مختار الخلفاوي

 

 

philo22 

” وكان يعقوب بن إسحاق الكنديّ فيلسوف الإسلام في وقته، أعني الفيلسوف الذي في الإسلام – وإلاّ فليس للإسلام فلاسفة – كما قالوا لبعض القضاة الذين كانوا في زمان ابن سينا: من فلاسفةُ الإسلام؟ فقال: ليس للإسلام فلاسفة.” (  صون المنطق والكلام عن فنّ المنطق والكلام…السيوطيّ  )

 

تابعت الجدل المثير الذي أعقب نشر سيلفان جوجنهايم كتابه ” أرسطو في جبل سان ميشيل. الجذور اليونانيّة لأوروبّا المسيحيّة ” الصّادر في شهر أفريل 2008، في الأوساط الأكاديميّة والإعلاميّة على شبكة الأنترنيت، حتّى كانت مبادرة الأستاذ حميد زناز إلى نقل ذلك الجدل إلى موقع ” الأوان ” بمقالته ” هل يدين الغرب المسيحيّ للشرق الإسلاميّ بشيء ؟ ” وتفاعل الأستاذ محمّد الحاج سالم مع ما نُشر في مقالته ” هل سطعت شمس الله على الغرب؟ ” وما أثارته هذه المقالة وتلك من التعاليق والتعقيبات المثمرة من الكتّاب والقرّاء.

ولعلّي في هذه العجالة أطرح نقطة نظام بين يدي المتداخلين في القضيّة انطلاقا من أنّ الاعتصام بالصمت كما قال زناز، عن حقّ، معيب لنا فيما يُترك ” المجال للآخرين ليدافعوا عنّا أو ليحطّوا من شأننا “.

إنّنا، بإزاء قضيّة الحلقة الإسلاميّة في نقل الإرث اليونانيّ، أمام أطروحتيْن – ليستا بالضرورة أطروحتيْ زناز والحاج سالم- أطروحة المُثبتين للدور الإسلاميّ في استيعاب التراث اليونانيّ وهضمه ثمّ تحويله إلى أساس للنهضة الأوروبيّة، وأطروحة النفاة الذين ينكرون أنْ يكون الغرب الحديث مَدِينًا، في نهضته وحداثته، إلى الشرق الإسلاميّ، ومن هذا الفريق”  سيلفان جوجنهايم ” صاحب الكتاب موضوع الجدل.

وكان من الواضح أنّ الأستاذ زناز وجّه المسألة إلى شقّها السجاليّ مع من سمّاهم ” المتأسلمين ” الذين ” اعتبروا ( أطروحة الكتاب موضوع الجدل ) بمثابة الدليل القاطع على تنامي معاداة المسلمين والإسلام في الغرب..” معلنا تأييده الواضح لأطروحة الكتاب، فيما نحى بها الحاج سالم منحى حجاجيّا لا يخلو من التعميم متوسّلا بما يسعفه من حُجج على ما يمكن أنْ يسمّى بـ ” الميراث العربيّ ” للحضارة الغربيّة الحديثة. على أنّ ما تُنوسيَ في كلا السياقيْن هو أنّ تلك الحلقة المتنازع عليها ليست، من زاوية إبستمولوجيّة صرف، من الإسلام في المطلق، وأنّ من سُمّوا ” فلاسفة الإسلام ” ازدراءً عُدّوا، لوقت طويل، نبتةً غريبة في تربة الحضارة الإسلاميّة.

إنّ التنازع على شجرة نَسَب الحداثة الغربيّة ( أهي الموصولة بالجدّ الإغريقيّ رأسا أم وكالةً بواسطة إسلاميّة ) وما يفضي إليه التصوّر الميكانيكيّ لانتقال الإرث اليونانيّ إلى الغرب على فترات متعاقبة من خلال الحلقة العربيّة الإسلاميّة مضافا إليهما سيطرة الذهنيّة الحربيّة في السجال لربح مساحة أيديولوجيّة جديدة لمِمّا يصيب تطارح القضيّة في مقتل يرتهنها بيْن يديْ سبحانيّتيْن، سبحانيّة تيمّم وجهها شطر الغرب وأخرى تيمّمه شطر الشرق ( والشرق الإسلاميّ بصيغة أدقّ ). نقول هذا رغم علمنا بأنّ ادّعاء موضوعيّة مطلقة في مثل هذه القضايا حديث لا يصدّقه إلاّ الأموات !

ثمّة رأي يقول إنّ العرب قد أخذوا عن اليونان فكرهم وعلمهم واطّرحوا فنّهم، ليتحسّر على هذا الاطّراح الذي لولاه لعرف العرب أجناسا من الفنّ جهلوها كالمسرح والملحمة. غير أنّ ما يحتمله هذا الرأي من أخذ بفكر اليونان وعلمهم يصطدم، هو الآخر، برفض قاطع من ” جمهور ” مفكّري الإسلام. لنحيّدْ جانبا وجهيْ التراث اليونانيّ في الفنّ والعلم ولنستبقِ الوجه المركزيّ في هذا التراث أعني بدعتَه الحصريّة: الفلسفة.

كيف تقبّل ” العقل ” الإسلاميّ فلسفة اليونان؟ وهل تمّ قَبول المنطق الأرسطيّ حين ترجم إلى العالم الإسلاميّ؟

مع الأسف، لم يكنْ اللّقاء بيْن الحضارتيْن اليونانيّة والإسلاميّة، في عُرف بعض من يعبّر عن الخطّ الغالب من ” مفكّري ” الإسلام، إلاّ مجرّد فتنة تواطأ عليها أهل الأهواء والنحل كالفلاسفة والدهريّة والباطنيّة والمعتزلة والخارجين عن أهل السنّة والجماعة وسائر الهلكى من أهل الزيغ والبدع. وإنّ هذه النزعة التآمريّة القتاليّة في قراءة اللّقاء بين اليونان والإسلام قد تجنح، في المحاورة، إلى استنتاجات مدهشة تنصب، من خلالها، محاكم التفتيش صنيع مَنْ ردّ جرثومة ” الفتنة اليونانيّة ” إلى حقد غنوصيّ قديم في جدّ بني أميّة أبي سفيان أورثه أحفاده خالد بن يزيد ( فيلسوف العرب الأوّل؟ ) وعمر بن عبد العزيز الذي نُفِخ في صورته وجُعِل خامس الخلفاء الراشدين، وهو من كان وراء شظيّة اليونان التي أصابت الإسلام حين نقل مكتبة الإسكندريّة إلى أنطاكية فحرّان ( فبغداد فيما بعد )، ولتظهر حركة الزندقة التي رأسها روزبه ( ابن المقفّع ) ! [( علي سامي النشّار، مناهج البحث عند مفكّري الإسلام، دار المعارف ط 4 ص  6 وما بعدها ) ]

كيف يسوغ الحديث عن دَيْن إسلاميّ على الغرب في المطلق والعموم وقد حفّت بنقل كتب اليونان إلى دار الإسلام الشبهات والدسائس حسب القراءة ذاتها؟. يسوق النشّار في كتابه المذكور خبر بعثة المأمون من يجمع الكتب اليونانيّة إلى القسطنطينيّة وتردّد ملك بيزنطة في إرسالها حتّى ألحّ عليه كبير الأساقفة في إرسالها للمسلمين قائلا ” إنّها، والله، ما دخلت على أهل ملّة إلاّ ونقضتها وهدمت بنيانها ” !

 

إنّ الفيلسوف بل إنّ التفلسف لم يكونا، في يوم، مرحّبا بهما ولا ممّا ترغّب فيه العقائد ولا ممّا ينظر إليه بتقدير من ” مفكّري ” الإسلام. ولسنا بحاجة إلى الإطناب في بيان صورة الفيلسوف في البيئة العربيّة الإسلاميّة مادامت المراجع تحتشد بتكفير هذا الرهط وتبديعهم ورميهم بالزندقة والإلحاد وغيرها..

 

وإنّ غربة المنطق الأرسطيّ مِن غُربة الفلسفة في بيئة عادتهما واعتبرتهما بابا للشرّ، لم يُبِح الاشتغال بتعليمهما وتعلّمهما الشارعُ ولا أباحهما أحدٌ من الصحابة والتابعين والأئمّة المجتهدين والسلف الصالحين وسائر من يقتدى به. بل إنّ تحريم الاشتغال بالمنطق أمسى من باب سدّ الذرائع، كما تقول فتوى ذائعة من فتاوى ابن الصلاح، وذلك، بالتحديد، بيان الصيحة المشهورة: من تمنطق تزندق !

لم يكن الفلاسفة، حينئذ، من استبدّ بمساحة التفكير والتعبير في الإسلام، وإنّما استبدّ بها الفقهاء والأصوليّون والمتكلّمون. ولهؤلاء منطقهم الإسلاميّ الخاصّ الذي بنوه دون المنطق الأرسطيّ على أساسيْن من الحدّ الأصوليّ ( وهو ما يعادل مبحث الحدّ عند الأرسططاليسيّين ) ومباحث الاستدلالات الإسلاميّة ( وهي تعادل مباحث القياس ولواحقه عند المناطقة الأرسططاليسيّين). بل إنّ الغزّاليّ الذي دعا إلى مزج المنطق اليوناني بعلوم المسلمين واتّخاذه منهجا لها لم يكنْ، قطعا، خارج المنظومة الكلاميّة الأصوليّة الفقهيّة الرسميّة ، والدليل حملته المشهودة على الفلاسفة.

 

ولعلّه، لذلك، وجب الخلوص إلى نِسابة أخرى للحداثة الغربيّة في علاقتها بالإرث اليونانيّ تضع في المركز منها حلقة تضمّ ذلك الرهط من الغرباء من ” فلاسفة الإسلام “. ومن هذه الزاوية، يبدو القول بالجذور اليونانيّة المباشرة لأوروبّا المسيحيّة ونفي الحلقة التي تمثّلها تلك العقول وأولئك الروّاد الذين عاشوا ” في الإسلام ” بعبارة شاهد التصدير، قولا لا يوازيه في الضبابيّة والإطلاق والتعميم إلاّ القولُ بأنّ الحداثة الغربيّة مدينة، بانتقال التراث اليونانيّ، للإسلام دون بيان أهو الإسلام الدين  (islam  ) أم هو الإسلام الحضارة ( Islam ). إنّ الإسلام أسهم في تكوّن الحضارة الأوروبّية، ولكن باعتباره حضارة لا دينا. وإذا كان ذلك كذلك فإنّ تلك الحداثةً مدينةٌ فيما هي مدينة له، على وجه التخصيص، لكوكبة من الفلاسفة سُمّوا، في تاريخ الإسلام، انتقاصا وازدراءً، شُرّاحا وملخّصين للمنطق الأرسطيّ كالكنديّ والفارابيّ وابن سينا وابن رشد وغيرهم كثير. أولئك، إلى جانب نظرائهم من العلماء المسلمين، هم الحلقة المفترضة في انتقال وتطوّر الميراث الإغريقيّ والإسلاميّ وليس إسلام الفقهاء على وجه التحديد.

 

 نشر في الأوان

 

 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: