التحرير والتنوير في أنفلونزا الديك والخنزير !

المقاولة بين الديك والخنزير 

 

– ” لا تسبّوا الدّيك فإنّه يوقظ للصّلاة..” ( حديث )

هل كان يجب أن يخيّم على العالم شبح هذا الوباء المعروف بأنفلونزا الخنازير لنقف على حجم الأهليّة والاستعداد للإجابة على مثل هذه الكوارث والآفات؟ فهذه الأنفلونزا أصابت إلى حدّ الآن أكثر من مائتيْ شخص في العالم من المكسيك ( حيث العدد الأكبر ) إلى الولايات المتّحدة إلى كندا وإسبانيا وفرنسا وبريطانيا ونيوزيلندا وإسرائيل والصين واليابان وغيرها.. وحجم الكارثة المخيف يفسّر رفع منظّمة الصحّة العالميّة حالة الإنذار من الدرجة الثالثة إلى الدرجة الرابعة ( السلّم من 1 إلى 6 )، فيما أعلنت السلطات الصحّية في كثير من البلدان حالة الطوارئ توقّيا من تسرّب الفيروس..

ولكن ليس هذا ما يعنينا، فوكالات الأنباء كفيلة ببيانه وبتحيين المعلومات بشأنه. ما يشغلنا، ومن زاوية نظرنا، هو: كيف وقع تقبّل خبر انتشار أنفلونزا الخنازير؟

1- البيت الأبيض ينفي إصابة أوباما بأنفلونزا الخنازير:

البيت الأبيض الأمريكيّ يؤكّد اللّيلة الماضية أنّ الرئيس باراك أوباما عاد من زيارته الأخيرة للمكسيك دون أن يصاب بمرض أنفلونزا الخنازير، وذلك بالرغم من اقترابه على العشاء من مسؤول مكسيكيّ توفّي بعد أيّام من زيارة أوباما للمكسيك.

2- الأنفلونزا المكسيكيّة:

مسؤول بوزارة الصحّة الإسرائيليّة يقول إنّه، ومن منطلقات دينيّة يهوديّة بحتة، يجب تسمية الفيروس الجديد الذي أثار الذعر في العالم “الأنفلونزا المكسيكية” بدلا من أنفلونزا الخنازير مراعاة للتعاليم الدينيّة اليهوديّة والإسلاميّة التي تحرّم تناول لحم الخنزير. والمكسيكيّون يعتبرون ” الفتوى ” الإسرائيليّة وصمة للمكسيك بأنّها أصل الفيروس.

3- بذل الماعون في فوائد الطاعون :

ثالثة الأثافي، أطروحة ” إسلاميّة ” تأخذ على عاتقها مهمّة الانتصاف للطير عموما وللديك تخصيصا من ظلم بَحَثة الغرب ” الكافر ” وعدوانهم. لقد كان يجب انتظار ما حدث لتبرئة الطيور من الفيروس براءة الذئب من دم ابن يعقوب، وليقع التسليم بأنّ الخنزير هو أصل البلاء وأصل الداء في الحمّى الإسبانية التي ضربت في أوائل القرن الماضي وفي الأيدز وفي جنون البقر وفي الإيبولا وفي الساريس وفي ما عرف ” افتراءً ” بأنفلونزا الطيور !

أحد حملة ” العلم الإسلاميّ ” صرخ في بعض المنتديات: بئست أكاذيب الغرب الكافر التي حمّلت أمّة الطير وبخاصّة الدجاج وزر آفة الأنفلونزا. ألا ساءت أغاليطهم وساء من أنكر أنّ الديك هذا المخلوق الذي شرّفه ربّ العزّة بالأذان وبرؤية الملائكة محصّن شرعيّا ضدّ الأوبئة الداهمة ما ظهر منها وما بطن !

لم يكن هذا التدخّل غريبا عن التربة الفقهيّة التي نشأت فيها أطاريح ابن حجر العسقلانيّ الذي أفتى أثناء الطاعون الذي ضرب في القرن الثامن الهجريّ بلاد المسلمين بأنّ الأوبئة رحمة من عند اللّه لا يجب توقّيها ولكن الفرح بملاقاتها والفوز بالشهادة فيها لقول النبيّ ” الطاعون شهادة لأمّتي ورحمة لهم ورِجْز على الكافرين “. ورسالته ” بذل الماعون في فوائد الطاعون ” خير شاهد على ذهنيّة الموت ودخول الفقهاء في ما ليس لهم به علاقة من أمر الأمراض والأوبئة والآفات. هذه الذهنيّة التي ترى في الأوبئة وخزا من الجنّ لا فسادا في الهواء – كما قال أطبّاء ذلك العصر – لخّصها من بعده السيوطيّ في حاشية سمّاها ” ما رواه الواعون في أخبار الطاعون ” ونظمها في شكل أرجوزة يسهل حفظها:

 

الحمد لله يحسن الابتداء — وبالمختار ينعطف الثنـــــاء

سألت فخذ جوابك عن يقين — فما أودعت عندهم هباء

فما الطاعون أفلاك ولا ذا — مزاج ساء وانفسد الهواء

رسول الله أخبرنا أنّ هذا — بوخز للجنّ يطعننا العــداء

يسلّطهم إله العرش لما — تفشو المعاصي والزنــــــاء

يكون شهادة في مآل خير — ورجسا للأولي بالرجس باؤوا

أتانا كلّ هذا في حديث — صحيح ما به ضعـــــف وداء

ومن يترك حديثا عن نبيّ — لما قال الفلاسفة الجفـــاء

فذلك ما له في العقل حظّ — ومن دين النبيّ هو البــراء

الإعلانات

سخريات ليليّة ( 1 ): امرُؤ القيس في شارع الحبيب بورقيبة

donkishot1

 

أحدهم، وهو شاعر معاصر، قبض عليه عسس الشارع الكبير المعروف بشارع بورقيبة أو شارع جول فيري كما يسمّيه صاحبنا على عادة أهل الحاضرة المزمنين. وكانت التهمة المراودة في الطريق العامّ، واقتيد مخفورا إلى مركز الشرطة بنهج يوغسلافيا المعروف عند الأوساط العالمة بالساتيام، كما أحضرت للتوّ الضحيّة صاحبة الدعوى، وكانت امرأة حبلى مصحوبة بوالدتها للشهادة وتثبيت الشكوى. وسجّل محضر على الفور ضدّ صديقنا الشاعر واعترف فيه بأنّه كان يغازل المرأة الحبلى، ولكنّه نفى نفيا قطعيّا أنْ يكون قد مرّ إلى التحرّش بها أو مجرّد التفكير في أنْ ” يحبّها ” حقًّا. واستفهم مُنْكِرا: أَكُلُّ مَنْ قال شعرا مُتَيَّم؟

بعد أنْ أطلق سراحه، عاد صاحبنا يحوم حول موطن الجريمة كعادة كلّ من كان في مثل موضعه، حتّى عثرت به فوجدته مهموما مقهورا لما صنعه به الشُّرَطُ من تعنيف دلّ عليه قميصه الذي قُدّ من قُبلٍ ومن موضع الكتف تحديدا حيث ظهرت قطرات من الدم، فهو من الظالمين! كما كان معصماه دامييْن من أثر القيود التي أوثق بها من الشارع إلى مخفر الأمن. حدّثني عمّا حلّ به مع الحبلى وما كان من تدخّل رجال البوليس العنيف وآلمه أنْ يشقّ الشارع الكبير مخفورا مقيّدا على مرأى من الناس، فهوّنت عليه الخَطب وربّتُّ على كتفه التي تؤلمه ودعوته إلى بعض الكؤوس. فلمّا انتصف اللّيل، سوّلت لي أمّ الكبائر البطولة والشهامة اليعربيّة فرافقت صديقي الشاعر المنكود الحظّ إلى المخفر نفسه للتظلّم والاحتجاج على تعنيف رجال البوليس الذي لا يليق، في كلّ الحالات، بجريرة شاعر ليس له من حرفة إلاّ الكلام. بل إنّ جريرة صاحبي لم تَعْدُ الجريَ على مذهب الملك الضِّلّيل حين قال في معلّقته المشهورة:

- فَمِثْلُكِ حُبْلى قد طرقت ومرضعٍ * * * فألهيتها عن ذي تمائم مُحْوِلِ

- إذا ما بكى من خلفها انصرفت له * * * بشقّ وتحتي شقّها لم يُحَوَّلِ

وشرحت لصاحب الشرطة أنّ صديقي الشاعر لم يُحدث بدعة يعاقب عليها. ما أجرم ولكنّه ترسّم أبا الشعراء امرأ القيس ولو في مستوى الأقوال دون الأفعال. وزدت لصاحب الشرطة لِمَا حسبت من اهتمام باحتجاجي بأنّ صديقي الشاعر لم يفعل غير اتّباع جدّه أسوةً ومصداقا لقوله تعالى: ” والشعراء يتّبعهم الغاوون. ألم تر أنّهم في كلّ واد يهيمون. يقولون ما لا يفعلون.”

أمّا صاحب الشرطة فقد قال لنا كلاما أقرب إلى التصريف منه إلى الاعتذار، على أنّنا غادرنا الساتيام بمعنويات أفضل، فمضينا لتوّنا إلى الحانوت يتبعنا شاوٍ مِشَلّ شَلولٌ شلشل شول!

بعد أيام قلائل، فتحت جريدة جاءت من عاصمة يبدو أنّها غرقت أكثر من اللّازم في الضباب فقرأت ما يلي مع حفظ الأسماء:

ما تعرّض له امرؤ القيس عنف مجّانيّ مرعب

” عادةُ اعتراض المعارضين والمزعجين السياسييّن في الشارع وإشباعهم ضربا بالعصيّ وغيرها عادة عامّة عند كامل الحكومات في عالمنا العربيّة ( كذا )…وهو أمر يدخل في نطاق البلطجة حيث توجد قناعة بأنّه لا يوجد لا قانون ولا دولة بل إنّ الممارسين هم أنفسهم موظّفون عند الدولة ومتخصّصون بهذه الممارسات…ولكن أنْ يعترضك عدد من الأشخاص ويشبعوك ضربا ( لاحظ هذا الذوق العامّي ) كيفما اتّفق في وضح النهار ويكسرون ( الآن عاد إلى الرفع بعد النصب ) كتفك ( لاحظ هذا الذوق ثانية )، وأنت لست لا ( لا زائدة ) معارضا سياسيّا ولا تمارس السياسة لا كتابة ولا تنظيما فأمرٌ غير مفهوم إطلاقا…أسوق هذا الكلام للحديث عن ( الشاعر الجاهليّ امرئ القيس ) الذي اعترضته مجموعة من الأشخاص وأشبعته ضربا أثناء عودته إلى بيته وكسرت كتفه. أمرٌ لا يمكن فهمه، وهو عنف مجّانيّ مرعب ويثير الذعر جرّاء عبثيّته…على الهاتف منذ يوميْن لا يعرف امرؤ القيس كيف يردّ عليّ: أنا لا أفهم شيئا أبدا . ولا أعرف لماذا؟ تعرفني ليس لي علاقة بأحد سياسيًّا إطلاقا ( كذا ). لقد حطّموا كتفي. أشبعوني ضربا. كنت عائدا إلى البيت فاعترضوني وانهالوا عليّ بالضرب المبرّح. صدّقني لا شيء..أنا لا أفهم شيئا. لا الأسباب ولا الدواعي (الأسباب غير الدواعي! ). ليس لي أعداء. لا أجد سببا واحدا لكلّ هذا العنف…كان ردّ امرئ القيس على ما لاقاه من عنف أنْ تقدّم إلى مخفر الشرطة الأقرب إلى منزله ( أقرب ممّ؟). وأقام دعوى ضدّ مجهول لأنّ ثقته لم تنعدم بعد بالقانون الذي ينظّم حياة هؤلاء البشر في هذه البقعة من الأرض أو هو لا يريد أنْ تنعدم…ألخ…ألخ..”

انتهى كلام الجريدة، وهو على غثاثته وعامّيته وركاكته، كلام كالظلام. مسكينة أنت أيّتها الحقيقة. كم من الآثام ترتكب باسمك. كان على المرء أنْ يكون صادقا حتّى مع عدوّه. بدلا من هذه اللّاأدريّة المضحكة كان يمكن توصيف ما وقع على أنّه استخدام مفرط للقوّة في إيقاف شاعر في الطريق العامّ، وأنّ هذه القوّة التي قد تصل حدّ الوحشيّة، أحيانا، يمكن أنْ تمارس ضدّ المواطن العاديّ الذي تضعه أقداره بين أيدي هؤلاء. أمّا اصطناع حكاية ملفّقة وروايتها بطريقة إنشائيّة سمجة والبحث عن رصيد نضاليّ فأمرٌ ليس مفيدا لامرئ القيس لأنّ أشعاره تشفع له وأدبه الجمّ. إذا كان امرؤ القيس لا يفهم شيئا ( أبدا؟؟ ) فأنا لم أفهم أبدا ولن أفهم قطّ لِمَ أذاع، أصلا، ما جرى ولِمَ أذاعه على هذا الشكل على وجه التحديد، وكيف لهذا الصحفيّ أنْ يروي ما هيّئ له أنّه جرى بطريقة فجّة مهوّلة تبعث على الرثاء.