سخريات ليليّة ( 1 ): امرُؤ القيس في شارع الحبيب بورقيبة

donkishot1

 

أحدهم، وهو شاعر معاصر، قبض عليه عسس الشارع الكبير المعروف بشارع بورقيبة أو شارع جول فيري كما يسمّيه صاحبنا على عادة أهل الحاضرة المزمنين. وكانت التهمة المراودة في الطريق العامّ، واقتيد مخفورا إلى مركز الشرطة بنهج يوغسلافيا المعروف عند الأوساط العالمة بالساتيام، كما أحضرت للتوّ الضحيّة صاحبة الدعوى، وكانت امرأة حبلى مصحوبة بوالدتها للشهادة وتثبيت الشكوى. وسجّل محضر على الفور ضدّ صديقنا الشاعر واعترف فيه بأنّه كان يغازل المرأة الحبلى، ولكنّه نفى نفيا قطعيّا أنْ يكون قد مرّ إلى التحرّش بها أو مجرّد التفكير في أنْ ” يحبّها ” حقًّا. واستفهم مُنْكِرا: أَكُلُّ مَنْ قال شعرا مُتَيَّم؟

بعد أنْ أطلق سراحه، عاد صاحبنا يحوم حول موطن الجريمة كعادة كلّ من كان في مثل موضعه، حتّى عثرت به فوجدته مهموما مقهورا لما صنعه به الشُّرَطُ من تعنيف دلّ عليه قميصه الذي قُدّ من قُبلٍ ومن موضع الكتف تحديدا حيث ظهرت قطرات من الدم، فهو من الظالمين! كما كان معصماه دامييْن من أثر القيود التي أوثق بها من الشارع إلى مخفر الأمن. حدّثني عمّا حلّ به مع الحبلى وما كان من تدخّل رجال البوليس العنيف وآلمه أنْ يشقّ الشارع الكبير مخفورا مقيّدا على مرأى من الناس، فهوّنت عليه الخَطب وربّتُّ على كتفه التي تؤلمه ودعوته إلى بعض الكؤوس. فلمّا انتصف اللّيل، سوّلت لي أمّ الكبائر البطولة والشهامة اليعربيّة فرافقت صديقي الشاعر المنكود الحظّ إلى المخفر نفسه للتظلّم والاحتجاج على تعنيف رجال البوليس الذي لا يليق، في كلّ الحالات، بجريرة شاعر ليس له من حرفة إلاّ الكلام. بل إنّ جريرة صاحبي لم تَعْدُ الجريَ على مذهب الملك الضِّلّيل حين قال في معلّقته المشهورة:

- فَمِثْلُكِ حُبْلى قد طرقت ومرضعٍ * * * فألهيتها عن ذي تمائم مُحْوِلِ

- إذا ما بكى من خلفها انصرفت له * * * بشقّ وتحتي شقّها لم يُحَوَّلِ

وشرحت لصاحب الشرطة أنّ صديقي الشاعر لم يُحدث بدعة يعاقب عليها. ما أجرم ولكنّه ترسّم أبا الشعراء امرأ القيس ولو في مستوى الأقوال دون الأفعال. وزدت لصاحب الشرطة لِمَا حسبت من اهتمام باحتجاجي بأنّ صديقي الشاعر لم يفعل غير اتّباع جدّه أسوةً ومصداقا لقوله تعالى: ” والشعراء يتّبعهم الغاوون. ألم تر أنّهم في كلّ واد يهيمون. يقولون ما لا يفعلون.”

أمّا صاحب الشرطة فقد قال لنا كلاما أقرب إلى التصريف منه إلى الاعتذار، على أنّنا غادرنا الساتيام بمعنويات أفضل، فمضينا لتوّنا إلى الحانوت يتبعنا شاوٍ مِشَلّ شَلولٌ شلشل شول!

بعد أيام قلائل، فتحت جريدة جاءت من عاصمة يبدو أنّها غرقت أكثر من اللّازم في الضباب فقرأت ما يلي مع حفظ الأسماء:

ما تعرّض له امرؤ القيس عنف مجّانيّ مرعب

” عادةُ اعتراض المعارضين والمزعجين السياسييّن في الشارع وإشباعهم ضربا بالعصيّ وغيرها عادة عامّة عند كامل الحكومات في عالمنا العربيّة ( كذا )…وهو أمر يدخل في نطاق البلطجة حيث توجد قناعة بأنّه لا يوجد لا قانون ولا دولة بل إنّ الممارسين هم أنفسهم موظّفون عند الدولة ومتخصّصون بهذه الممارسات…ولكن أنْ يعترضك عدد من الأشخاص ويشبعوك ضربا ( لاحظ هذا الذوق العامّي ) كيفما اتّفق في وضح النهار ويكسرون ( الآن عاد إلى الرفع بعد النصب ) كتفك ( لاحظ هذا الذوق ثانية )، وأنت لست لا ( لا زائدة ) معارضا سياسيّا ولا تمارس السياسة لا كتابة ولا تنظيما فأمرٌ غير مفهوم إطلاقا…أسوق هذا الكلام للحديث عن ( الشاعر الجاهليّ امرئ القيس ) الذي اعترضته مجموعة من الأشخاص وأشبعته ضربا أثناء عودته إلى بيته وكسرت كتفه. أمرٌ لا يمكن فهمه، وهو عنف مجّانيّ مرعب ويثير الذعر جرّاء عبثيّته…على الهاتف منذ يوميْن لا يعرف امرؤ القيس كيف يردّ عليّ: أنا لا أفهم شيئا أبدا . ولا أعرف لماذا؟ تعرفني ليس لي علاقة بأحد سياسيًّا إطلاقا ( كذا ). لقد حطّموا كتفي. أشبعوني ضربا. كنت عائدا إلى البيت فاعترضوني وانهالوا عليّ بالضرب المبرّح. صدّقني لا شيء..أنا لا أفهم شيئا. لا الأسباب ولا الدواعي (الأسباب غير الدواعي! ). ليس لي أعداء. لا أجد سببا واحدا لكلّ هذا العنف…كان ردّ امرئ القيس على ما لاقاه من عنف أنْ تقدّم إلى مخفر الشرطة الأقرب إلى منزله ( أقرب ممّ؟). وأقام دعوى ضدّ مجهول لأنّ ثقته لم تنعدم بعد بالقانون الذي ينظّم حياة هؤلاء البشر في هذه البقعة من الأرض أو هو لا يريد أنْ تنعدم…ألخ…ألخ..”

انتهى كلام الجريدة، وهو على غثاثته وعامّيته وركاكته، كلام كالظلام. مسكينة أنت أيّتها الحقيقة. كم من الآثام ترتكب باسمك. كان على المرء أنْ يكون صادقا حتّى مع عدوّه. بدلا من هذه اللّاأدريّة المضحكة كان يمكن توصيف ما وقع على أنّه استخدام مفرط للقوّة في إيقاف شاعر في الطريق العامّ، وأنّ هذه القوّة التي قد تصل حدّ الوحشيّة، أحيانا، يمكن أنْ تمارس ضدّ المواطن العاديّ الذي تضعه أقداره بين أيدي هؤلاء. أمّا اصطناع حكاية ملفّقة وروايتها بطريقة إنشائيّة سمجة والبحث عن رصيد نضاليّ فأمرٌ ليس مفيدا لامرئ القيس لأنّ أشعاره تشفع له وأدبه الجمّ. إذا كان امرؤ القيس لا يفهم شيئا ( أبدا؟؟ ) فأنا لم أفهم أبدا ولن أفهم قطّ لِمَ أذاع، أصلا، ما جرى ولِمَ أذاعه على هذا الشكل على وجه التحديد، وكيف لهذا الصحفيّ أنْ يروي ما هيّئ له أنّه جرى بطريقة فجّة مهوّلة تبعث على الرثاء.

Advertisements

4 تعليقات

  1. سلاااااااااام:
    رغم أن امرؤ قيسك هذا يستحق ماجرى له ، فهم هكذا الشعراء الغاوون في كل شارع يهيمون يترصدون ويغازلون و إن أمسكوا يتنصلون وعن الكلام يصومون فإن غصبوا بالحماقة ينطقون و إن تركوا لا يستغفرون أما إذا توبعوا فيتزلفون ، أعاذنا الله من القوم الظالمين.

    على فكرة لا تنقم على الصحافة قولها الزور فالصح آفة ..أو الصحافة تريد الإبتعاد عن قول الآفة التي هي الصح ، فلم يبقى لها إلا الزور و البهتان و تظخيم الفينومان…

    تحية من بنت الجزائر رايي….

  2. شكرا لبنت الجزائر، ألا ترين أنّك قسوت على الشعراء؟ أنا قصدت حالة معيّنة سكتّ عن اسم صاحبها واستبدلته بامرئ القيس، لأتساءل عن مرض بعض الغواة وعن آفة بعض الصحافة..
    وأهلا بك وبرأيك..

  3. سلااااااااام :
    حسنا أنا لم أقسو على الشعراء فاللهلا أدرى بنفاقهم ، إن اشتهروا تعالو وتكبروا أما إن انكسروا خضعوا و ذلوا و كثرت شكواهم ونواحهم ، و عكس ذلك تجد كتاب النثر و أنا أحاول الإنضمام لزمرتهم ، يكتبون في هدوء يسلطون سوط الكلمة على واقعنا المكرس للرّداءة ، و طبعا لا أقصد الجميع ……….

    تحية من بنت الجزائر رايي…….

  4. يا رايي، كوني ناثرة أو كوني إن شئت شاعرة، ولمَ لا تكونين من ذوات الرياستيْن الكتابة والشعر؟
    المهمّ أن تكوني أنتِ دائما..
    أمّا موقفك من الشعراء فمثقل بأفكار ما. هلاّ أفصحت عنها؟
    تحيّاتي
    ولا تنسيْ المرور

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: