الإفك فريضةً جهاديّةً: بقلم مختار الخلفاوي

Ibn_Khaldoun

 

لعلّه من خصال العربيّة أنّها وضعت الألفاظ مواضعها بدقّة عجيبة، من ذلك أنّها فرّقت الكذب عن الإفك مثلا. فالكذب في اللغة هو تعمّد الخلط بين ” الحقّ والباطل “، كأن يقول قائل: إنّ الحكومة التونسيّة تشنّ حربا على المحجّبات. فهذا القول حقّ وباطل. هو حقّ بدليل أنّ المنشور 108 الذي يمنع  ” الزيّ الطائفيّ ” ما زال ساريا رغم إبطال المحكمة الإداريّة لأحد الأحكام المترتّبة عليه. وهو باطل لأنّ هذا المنع على الورق أو المطبّق بصفة جزئيّة محدودة لا يعدّ حربا بأيّ معنى من المعاني، بما تعنيه الحرب من خطّة عسكريّة وجهاز لوجستيّ وعدد وعتاد قتاليّ في مطاردة المحجّبات مطاردة منهجيّة منظّمة، والحال أنّ الشوارع التونسيّة والإدارات العموميّة والوزارات والمؤسّسات التربويّة تحتشد بالمحجّبات، بل ولحقت بقافلة ” العفيفات من حرائر تونس ” في غمرة ” الصحوة الإسلاميّة الثانية ” زهراتُ المدارس الابتدائيّة حتّى صار منظر البنات المحجّبات في عمر الثماني سنوات أو التسع وهنّ يتردّدن على مدارسهنّ منظرا ملحوظا على فداحته وغرابته.

 

أمّا الإفك فغير الكذب. إنّه اختراع أمر أو حادثة أو خبر من غير مثال، وإشاعة ذلك حتى يصدّقها الناس بدءا بمن أشاعها. وهذا ما يحيل إليه الجذر ( أ. ف. ك. ) من معاني الصرف ولفت النظر. من علامات الإفك خطّة تجفيف المنابع المزعومة التي انفردت بها – حصريّا – جريدة ( الفجر ) النهضويّة في المهجر أوائل التسعينات، أو أحدوثة الدخول إلى المساجد ببطاقات مغناطيسيّة شخصيّة، أو الصورة القياميّة المرعبة في تونس اليوم حيث اختلطت الأنساب بفعل الزنا وامتلأت صناديق القمامة بالأنغال والأجنّة.

 لم تكن مقالة سلمان فهد العودة ( الإسلام والحركات ) والمنشورة على موقعه ( إسلام توداي ) حلقة من سلسلة حلقات المراجعة الفكريّة والسياسيّة التي دأب عليها رموزُ وقادة الإسلام السياسيّ بمختلف ألوانه وحسب، ولكنّها أيضا كانت الحلقة التي طفح بها كيل المتحدّثين باسم المشاريع الإسلاميّة التونسيّة على وجه التخصيص. ولعلّ عرضا لأهمّ فقرات المقالة / الشهادة كفيل بتفسير السرعة القياسيّة التي مرّت إليها بعض الأقلام المندّدة بزيارة الشيخ إلى تونس أو المستنكرة لشهادته عن حال الإسلام فيها. وتكمن أهمّية شهادة الشيخ سلمان العُودة في أنّها تصدر عن رجل يحلّه الإسلاميّون التونسيّون محلاّ رفيعا إلى جانب يوسف القرضاوي ومن قبله محمّد الغزالي وابن باز  وغيرهم ممّا يجعل من شهادته مصداقا للآية القرآنيّة: وشهد شاهد من أهلها.

 الإسلام غير الحركات. هذا ما أراد سلمان العودة بيانه في سياق الردّ على الصورة التي نقلها إليه إسلاميّون تونسيّون، وبيان أنّ زيارته إلى تونس أوقفته على حقائق تخالف ما نقل إليه الرواةُ. يقول دون أن يخصّ بالتسمية بلدا بعينه، غير أنّ القصد واضح بلا ريب ”  زرت بلداً إسلامياً، كنت أحمل عنه انطباعاً غير جيد، وسمعت غير مرّة أنه يضطهد الحجاب، ويحاكم صوريّا، ويسجن ويقتل، وذات مؤتمر أهداني أخ كريم كتاباً ضخماً عن الإسلام المضطهد في ذلك البلد العريق في عروبته وإسلاميته . ولست أجد غرابة في أنّ شيئاً من هذا القيل حدث ذات حين في مدرسة أو جامعة أو بتصرّف شخصيّ أو إيعاز أمنيّ أو ما شابه. بيد أنّي وجدت أنّ مجريات الواقع الذي شاهدته مختلفاً ( كذا ) شيئاً ما، فالحجاب شائع جداً دون اعتراض، ومظاهر التديّن قائمة، والمساجد تزدحم بروّادها من أهل البرّ والإيمان، وزرت إذاعة مخصّصة للقرآن تُسمع المؤمنين آيات الكتاب المنزّل بأصوات عذبة نديّة، ولقيت بعض أولئك القرّاء الصُّلحاء..”

 وردّ العودة ضبابيّة الصورة إلى التفاوت بين الخبر والعيان، فدعا إلى ضرورة الانفتاح بين الأمصار الإسلاميّة لتصحيح الصورة الذهنيّة المنقولة لأنّه ” في جوّ العزلة والانغلاق تشيع الظنون، وتكبر الأحداث الصغيرة، وتتّسع الهوّة والفجوة، ويفقد الناس المعلومات فيلجؤون إلى الشائعات، أو الحقائق الجزئيّة ليعتمدوها في تكوين النظرة الكلّية..”

 شهادة العودة زعزعت ما رسخ في ذهن المتابعين للشأن التونسيّ من صورة مخصوصة رُكّبت تركيبا عجيبا لتوافق برامج الإسلاميّين القائلين بجاهليّة القرن الحادي والعشرين في تونس. وبالرجوع إلى الردود العنيفة التي شنّها بعض الإسلامييّن على العودة كـ ( بيان الهيئة العالميّة لنصرة الإسلام في تونس ) والرسالة التي نشرها موقع ( الحوار نات ) بعنوان ( الفتوى صدرت ) يمكن أن نستجمع أجزاء هذه الصورة من جديد.

 ولئن كان الصراع بين الإسلاميّين والسلطة في تونس سجالا، فإنّه لم يشهد في تاريخه الطويل هذا القدر من العنف الرمزيّ الذي تعمد فيها فئة من التونسيّين إلى رسم صورة ” جاهليّة ” عن المجتمع الذي تنتمي إليه وتدّعي الدفاع عنه تذكّر بأطروحات محمّد قطب عن جاهليّة القرن العشرين. ولا نعتقد أنّ أحدا يرضى بقسمة نساء تونس إلى عفيفات وعاهرات أو قسمة رجالها إلى متوضّئين ونجسين أو إلى ملتحين ومُرْدٍ حتّى يقع الاكتفاء بمراقبة ما يحدث وكأنّ ” الحرب المستعرة ” لا تقع في داره أصلا. 

 فرية بطاقة الصلاة:  

سرت هذه الشائعة منذ سنوات في بعض مواقع الإنترنيت وتعاورتها أقلام المعلّقين والمحلّلين للتدليل على ما وصلته تونس من حال يحارب فيها الإسلام والمسلمون ويضيّق فيها على المصلّين باشتراط بطاقة مغناطيسيّة لكلّ مصلّ يحدّد فيها المسجد الذي يجوز له الصلاة فيه الصلوات الخمس أو صلاة الجمعة. وافتنّ واضع الفِرية في الإيهام بالواقع فتحدّث عن البطاقة الإلكترونيّة وقسم الشرطة الموكّل باستخراجها وموضع الصورة فيها وعنوان المصلّي واسم الجامع لصلوات الجمع أو المسجد للصلوات الخمس الذي يجوز له الصلاة فيه. كما لم يبخل واضع الفرية عن التأكيد بأنّ لإمام الخَمْس أو إمام الجُمَع كامل الحقّ في طرد كلّ مصلّ لا يحمل بطاقة الصلاة.

ورغم أنّ هذه الفرية ممّا لا يقبله عقل سليم فقد سارعت المنتديات لقبوله ونشره واستعماله في الكشف عن أوضاع المساجد في تونس.

 القيامة الآن:

في الردود الناريّة على شهادة سلمان العودة تتناوب مشاعر الصاديّة والتأثيم والتكفير والتهديد والوعد والوعيد. إنّ المجتمع التونسيّ في تقدير هؤلاء ” يمور، اليوم، بكبائر الإثم والفواحش والفظائع ما لا قبل لأحد بإحصائه وحصره، فالمظالم وانتهاك الحرمات واضطهاد المحجّبات مستمرّ على قدم وساق…وفي شبكة الإنترنت صفحات خاصّة بـ ( الفيس بوك ) مخصّصة لسبّ الله تعالى ورسوله ودينه وانتهاك حرمة المقدّسات الإسلامية، وما على الجناة من سبيل حتّى بالعتاب فضلا عن العقاب! وشرع الله تعالى معطّل بل مستنكَر، وبيوت الله موصدة عدا أوقات الصّلاة، فيما ترى الحانات والمواخير وبيوت الدّعارة في جميع الأماكن والمحافظات مشرَعَةَ الأبواب، على مدار الليل والنهار، حتى جاوز عدد المواليد الأنغال العشرة آلاف نغل!! وأصبح العثور عليهم في حاويات القمامة كأفراخ القطط والكلاب أمرا مألوفا! ..”

 إذا اطّرحنا مشاعر التقزّز من هذا التوصيف الهستيريّ، وجدناه قائما على التلبيس والتهويل والتقويل. فهذا المجتمع فاسدٌ غارق في الكبائر والآثام والفواحش والفظائع والمظالم والترويع والحرابة وقطع السبيل وتفشّي الأبنة والتشيّع وعبادة الشيطان والتنصير، وليس من حلّ لإصلاحه غير فتح جديد. فتح تفتّح أبواب السماء له ويدخل عبره الناس في دين اللّه أفواجا. وهل من حجّية لهذا الفتح غير تصوير الأمور على هذا القدر من القتامة والجاهليّة الجهلاء حيث تغصّ حاويات القمامة بالمواليد الأنغال الذين أُلقي بهم من قبل أمّهات عازبات ( أو الزانيات بعبارة صاحب البيان )، وهنّ، بلا ريب، من غير فسطاط العفائف والحرائر. لا نحتاج إلى جهد كبير لنفكّك هذا الخطاب القياميّ يبنيه وعي هستيريّ يحيا، وَهْمًا، تجربة الهجرة إلى الحبشة ثمّ العودة لفتح مكّة، وينسى أنْ لا هجرةَ بعد الفتح !

  الفتوى صدرت !

ثمّة شعور عامّ بالخيبة في أوساط الإسلاميّين بعد تمكّن السلطات التونسيّة – مدفوعة أو مختارة – من سحب بساط وثير كانوا يتحرّكون عليه، فدعت القرضاوي بصفة شخصيّة ليدلي بتصريحات لفائدة الخطاب السياسيّ الرسميّ في تونس، ومن قبله دعت سلمان فهد العودة أحد رموز السلفيّة ليكتب شهادته المشهورة المكذّبة لدعاوي الإسلاميّين. إذا وضعنا ذلك في الاعتبار، فهمنا سرّ الاندفاعة المفاجئة التي ميّزت خطابات بعض كتّابهم، إلى الحدّ الذي يقطع مع ماضي هذه التيّارات الدينيّة التونسيّة في تعاطيها مع خصومها السياسيّين ومع السلطة الحاكمة متذرّعة بالصراع الديمقراطيّ السلميّ، فيدعو أحدهم إلى الجهاد متسلّحا بفتوى ” صدرت .. وهي ثقيلة بحجم ما حلّ بالبلاد من كوارث و كبيرة بكبر الانتهاكات الشرعية والإنسانية والاجتماعية والفتوى صادرة من جهة مسؤولة ورجالها أهل علم وثقة ومعترف بها في العالم الإسلامي، وصيغت خصّيصا لتونس..”.

 إنّ الإفك السياسيّ داخلٌ في باب الفريضة الجهاديّة عند هؤلاء، وهو يصل ذهنيّة التآمر بميكيافيليّة سافرة تهون، في دينها، كلّ الوسائل لدرك الغاية المطلوبة. ولا بأس من أن يتذرّع خطابهم الانتصاريّ، على تعدّد تشكّلاته الخطابيّة ودرجات بساطته وتركيبه، بجملة من الأساليب والآليّات المغالطيّة كالاستدراج والتهويل والتقويل والتلبيس والإعنات. المهمّ هو تبكيت الخصوم والظهور عليهم والفوز بالسلطة ولو خسروا شعْبا بأسره. 

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: