الركاز في صيحة ابن قتيبة وفتوى ابن باز! بقلم مختار الخلفاوي

le_philosophe

 

 

مات أبو محمّد عبد اللّه بن مسلم بن قتيبة الدينوريّ حَتْفَ أنفه أو لعلّ الصواب أنّه مات حتفَ فِيه إذْ داهمته المنيّةُ إثر هريسة بلعها سخنة فأهلكته. مات تاركا وراءه صيحة عظيمة سُمعت من بعيد. ثمّ أغمي عليه إلى وقت صلاة الظهر، ثمّ اضطرب ساعة، ثمّ هدأ، فمازال يتشهّد إلى وقت السحر، ثمّ مات. وكانت ميتته التي سجّلتها كتب التراجم والتواريخ، وهو في منتصف الكهولة (57 عاما)، ميتة مأساوية بكلّ المقاييس.

ليست الصيحة الحادّة التي خلّفها ابن قتيبة إلاّ صيحة فكريّة جسّدها معلمٌ راسخ من معالم الثقافة العربيّة حين تبيّن»شُمول النقص ودروس العلم وشُغْلَ السلطان عن إقامة سوق الأدب حتّى عفا ودرس…” غير أنّها صيحة، وإنْ طوت الأعصار والأمصار حتّى أدركت ابن خلدون فعدّ كتابه»أدب الكاتب” أحد الأصول الأربعة لعلم الأدب، وأدركت الألمان والفرنسييّن من بعد ذلك فبادروا إلى ترجمة آثاره منذ أواسط القرن 19 م مع نولدكه وريتر هوزن ثمّ لوكومت، لم يبلغ صداها بلاد نجد والحجاز فلم يسمع لها الشيخ عبد العزيز بن باز. أستحضر ابن قتيبة الفقيهَ السنّيَّ حاملَ لواء السنّة المنافح عنها عبر مختلف كتبه لأضعه في مواجهة الشيخ الفقيه عبد العزيز بن عبد اللّه بن باز الرئيس العام لإدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد بالمملكة العربيّة السعوديّة قبل وفاته، أحَدِ رجال الدين المعاصرين البارزين ولأكافح، من خلال هذا الاستحضار، أطروحة هذا بذاك على ما بين الرجليْن من الاتّصال والانفصال كما سنرى. أمّا مناسبة هذا اللّقاء بين الرجليْن على تباعد الزمان والمكان فهي وقوعي على فتاوى للشيخ ابن باز في شأن الكتب والتواليف ومراسم القراءة ومقاصدها تتضمّن، إلى جانب تنزيل فقهيّ للموضوع، قائمة مبدئيّة وأولى في بعض الكتب يأمر أو بالأحرى يحرّم قراءتها أو السماح بدخولها مكتباتِ المملكة ومكتبات المواطنين على حدّ السواء. قادني الفضول إلى تصفّح فتاوى الشيخ ابن باز في ذات الباب لأخرج بهذا العرض المقارنيّ السريع بين رجل استقدمته من القرن الثالث الهجريّ لأناقش به رجلا من القرن الخامس عشر!

 

كلاهما ابن قتيبة الدينوريّ (ت 276 هـ يوم كان الحساب الهجريّ هو الحساب المعتمد) وعبد العزيز بن باز (ت 1999 م يوم صار التقويم الجولياني هو السائد في بلاد الإسلام) موصول بأمّ القرى. ينتسب الأوّل إلى أمّ قرى خراسان»مرو”، أمّا الثاني فيمتّ بآصرة قريبة إلى أمّ قرى الحجاز»مكّة”. تقع المدينتان»مرو” و”مكّة” ضمن حدود جغرافيا الفضائل الإسلاميّة، ويعلّق التراجمةُ أهمّية كبرى لمسألة الانتماء إلى أرض مخصوصة حيث يخلعون على كلّ إقليم من أقاليم دار الإسلام مزايا منحه الّله إياها. فإذا كانت أمّ قرى الحجاز مكّةُ معلومةً بالتكريم والتشريف وفي هذا الكفاية فإنّ أمّ قرى خراسان “مرو” وهي ما يسمّيها البلدانيّون”مرو الشاهجان” تمييزا لها عن مرو الرّوذ تحتاج إلى بعض التعريف. مرو الشاهجان كَوْرَةٌ تقع في القصبة من خراسان، والشاهجان لفظ فارسيّ يعني نفس السلطان أو روحه. سمّيت بذلك لجلالتها عندهم. من أبناء هذه القصبة أعلام كبار مثل أحمد ابن محمّد بن حنبل وسفيان الثوريّ. قال ابن عباس: نِعْم البلد مرو. ولنطّرحْ، مرّة أخرى، ما يدّعيه الجاحظ ومن جرى على مذهبه حين عاب أهل مرو بالبخل، وزعم أن ديكة “مرو”، وعلى عكس سائر الديكة، لا تلفظ ما تأكله للدجاجة وإنّما تسلبها ما في مناقيرها أيضًا!

 

إلى مرو ينتسب ابن قتيبة ولكنّه عاش بين مدن مختلفة منذ هاجرت عائلته إلى الكوفة. فهو مروزيّ الأصل كوفيّ المولد دينوريّ اللّقب. وبالمثل يجمع الشيخ ابن باز الانتماء المتعدّد إلى المدينة والرياض ومكّة. وعدا مسألة الانتماء إلى جغرافيا الفضائل الإسلاميّة، فقد خدم كلاهما السلطة القائمة وتقلّد مناصبها سواء كان ذلك مع الإدارة العبّاسيّة أو مع الإدارة السعوديّة فتصدّى ابن قتيبة للقضاء في دينورّ إحدى مدن إقليم الجبال، وتقلّد ابن باز رئاسة إدارة البحوث العلمية والإفتاء والدعوة والإرشاد ورئاسة هيئة كبار العلماء ورئاسة المجمع الفقهي الإسلامي التابع لرابطة العالم الإسلامي، ثم تقلّد منصب المفتي العامّ للملكة العربية السعودية.

توزّعت تراثَ ابن قتيبة (جميع شواهدنا من مقدّمات ابن قتيبة لـ”أدب الكاتب” و”عيون الأخبار” و”الشعر والشعراء”) شواغلُ اللّغة والأدب والدين والثقافة عامّة من “أدب الكاتب” إلى “الشعر والشعراء” إلى “عيون الأخبار” إلى “مشكل القرآن” و”معاني القرآن” و”المسائل والأجوبة” و”الردّ على المشبّهة” و”تأويل مختلف الحديث” و”غريب الحديث” و”كتاب المعارف” وغيرها. على أنّ أبرز ما يمكن أنْ يردّ إلى الرجل بناؤه لمنظومة ثقافيّة إسلاميّة سنّية كانت الأجيال عالة عليها لوقت طويل. ولمّا كان القرآن النصّ التأسيسيّ لهذه الثقافة في عرف ابن قتيبة ومعاصريه وكثير من اللاحقين أيضا فقد رأى أنّ للإلمام بنصّ مّا كالقرآن مثلا وجب الإلمام بعلوم العربيّة من لغة ونحو وبيان وأدب. وفي إطار من تلك المنظومة يتنزّل “أدب الكاتب” الذي عمله لمغفّل الأدب تذكرةً و”عيون الأخبار” الذي ثنّى به على البناء في نفس المنظومة، ثمّ “الشعر والشعراء” وسائر كتبه في القرآن والحديث التي بها تكتمل آلة الكاتب في تصوّره.

فالخلفيّة التي صدر عنها ابن قتيبة في بناء منظومته تقوم على ذلك الأخذ بصنوف الكتب والآداب والمعارف الدنيويّة والدينيّة أو ذلك المزج الطريف المركب بين العلوم الوسائل والعلوم المقاصد. بل إنّ سياسة التأليف عنده تستهدف قارئا ضمنيّا متعدّدا بما توسّله هذا التأليف من مراوحة بين الجدّ والهزل والخبر والشعر والنظر. يقول من مقدّمة “عيون الأخبارّ: “ولم أر صوابا أن يكون كتابي هذا وقفا على طالب الدنيا دون طالب الآخرة ولا على خواصّ الناس دون عوامّهم… ولا على ملوكهم دون سوقتهم… ولم أخله مع ذلك من نادرة طريفة وفطنة لطيفة وكلمة معجبة وأخرى مضحكة لئلا يخرج عن الكتاب مذهب سلكه السالكون وعروض أخذ فيها القائلون، ولأروّح بذلك عن القارئ من كدّ الجد وإتعاب الحقّ فإنّ الأذن مجّاجة والنفس حمضة… فإذا مرّ بك أيها المتزمّت حديث تستخفّه أو تستحسنه أو تعجب منه أو تضحك له فاعرف المذهب فيه وما أردنا به. واعلم أنّك إنْ كنت مستغنيا عنه بتنسّكك فإنّ غيرك ممّن يترخّص فيما تشدّدتَ فيه محتاج إليه وإنّ الكتاب لم يعملْ لك دون غيرك فيهيّأ على ظاهر محبّتك، ولو وقع فيه توقّي المتزمّتين لذهب شطر بهائه وشطر مائه ولأعرض عنه من أحببنا أنْ يقبلَ إليه معك….وإذا مرّ بك حديث فيه إفصاح بذكر عورة أو فرج أو وصف فاحشة فلا يحملنّك الخشوع أو التخاشع على أنْ تصعّر خدّك وتعرض بوجهك فإنّ أسماء الأعضاء لا تؤثم وإنّما المأثم في شتم الأعراض وقول الزور والكذب وأكل لحوم الناس بالغيب… وأحببت أنْ تجري في القليل من هذا على عادة السلف الصالح في إرسال النفس على السجيّة والرغبة بها عن لبسة الرياء والتصنّع. ولا تستشعر أنّ القوم قارفوا وتنزّهتَ وثلموا أديانهم وتورّعتَ». فإذا كان من شروط كفاية القراءة التحلّي بجملة من الخصال كالمرونة والنسبيّة وترك التخاشع والتزمّت فإنّ من كفاية المنهج التصفّح في مظانّ الكتب مهما يكن لونها وسمتها “فإنّ العلم ضالّة المؤمن من حيث أخذه نفعه ولن يزري بالحقّ أنْ تسمعه من المشركين ولا بالنصيحة أنْ تستنبط من الكاشحين..” والقراءة للمؤلّفين قديمهم وحديثهم بلا تعصّب أو اعتبارات كالمكانة الاجتماعيّة أو الزمن “ولم يقصر الله العلم والشعر والبلاغة على زمن دون زمن، ولا خصَّبه قوماً دون قوم، بل جعل ذلك مشتركاً مقسوماً بين عباده في كل دهر، وجعل كلّ قديم حديثاً في عصره، وكُلَّ شَرَفٍ خارجيةً في أوله..” ولئن كان ابن قتيبة، مع ميل واضح إلى الخصومة والمناظرة والردود، قد قدّر أنّ مرجع المؤمن والعالِم واحد، وأنّ الحكمة ضالّتهما يأخذانها حيث ثقفاها فإنّ ابن باز يميل أكثر إلى البتّ والقطع فينطلق من مسلّمة مغايرة وينزّل عبرها مؤلّفاته في إطار من ذهنيّة الفتيا والرغبة في تسييج المسائل وغلق الاجتهاد وردّ التعدّد إلى الوحدة وذلك في جملة فتاويه التي بلغت مجلّدات أو رسالته “في الأدلة النقليّة والحسّية على جريان الشمس وسكون الأرض وإمكان الصعود إلى الكواكب” أو رسالته “في التحذير من البدع” التي تشتمل على أربع مقالات (حكم الاحتفال بالمولد النبوي، وليلة الإسراء والمعراج، وليلة النصف من شعبان، وتكذيب الرؤيا المزعومة من خادم الحجرة النبوية المسمى: الشيخ أحمد)، ورسالته في “نقد القومية العربية” أو “الجواب المفيد في حكم التصوير” وغيرها.

 

ينطلق ابن باز (مصدرنا في كلّ ما يلي: مجموع فتاوى ومقالات متنوعة الجزء الخامس، الجزء السابع، الجزء الثامن والعشرون، الجزء الثالث والعشرون) من مفهوم غريب يرى أنّ الكتب على ضروب ثلاثة: كتب الخير وكتب الشرّ وكتب لا خير ولا شرّ. وهو تقسيم لم يمرّ بنا في قراءاتنا الطويلة في متون التراث ولا في جديده. وهو يدعو، تبعا لذلك، إلى أن يحرص المسلم على أن تكون “مكتبته خالية من الكتب التي ليس فيها خير أو التي فيها شرّ”. ويرى الشيخ أنّ “هناك كتبًا يقال أنّها كتب أدب، لكنّها تقطع الوقت وتقتله في غير فائدة،وهناك كتب ضارة ذات أفكار معيّنة وذات منحى معيّن، فهذه أيضا لا تدخل المكتبة”. ويستخلص من وراء ذلك أنّ “كلّ كتب تضرّ فلا تدخل مكتبتك، لأنّ الكتب غذاء للروح كالطعام والشراب للبدن فإذاتغذّيت بمثل هذه الكتب صار عليك ضرر عظيم واتّجهت اتّجاها مخالفا لمنهج طالب العلم الصحيح”.ويدعو الشيخ إلى أنّه “يجب على طالب العلم أن يحرص على الكتب الأمّهات الأصول دون المؤلفات حديثا، لأنّ بعض المؤلّفين حديثا ليس عنده العلم الراسخ، ولهذا إذا قرأت ما كتبوا تجد أنّه سطحيّ… فعليك بالأمّهات كتب السلف فإنّها خير وأبرك بكثير من كتب الخلف..” ويسترسل في تعليل النأي عن كتب المحدثين فيقول “لأنّ غالب كتب المتأخرين قليلة المعاني كثيرة المباني تقرأ صفحة كاملة يمكن أن تلخّصها بسطر أو سطرين..”. يقرّر الشيخ ابن باز برنامج القراءة لمن له حظّ من العلم ولمن لم يتمكّن منه. وضع الشيخ للفريق الأوّل من القرّاء ثلاث خانات متداركة “فأوّل الكتب وأعظمها القرآن الكريم، ثمّ كتب السنّة الصحيحة، كالبخاري ومسلم وغيرهما من كتب السنّة المعروفة كأبي داود والترمذيّ والنسائيّ وابن ماجة وسنن الدارميّ ومسند أحمد بن حنبل وموطّأ مالك، وهذه من أنفع الكتب.” ووضع للفريق الثاني برنامجا لا يقوم على الفهم وإنّما على الحفظ فليس أمام هذا الفريق إلاّ “حفظ كتاب الله الكريم، مع حفظ المؤلّفات المختصرة في العقيدة والحديث الشريف مثل: كتاب “التوحيد و”الأصول الثلاثة” و”كشف الشبهات” و”آداب المشي إلى الصلاة” للإمام الشيخ محمد بن عبد الوهاب، و”العقيدة الواسطية” لشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله، و”بلوغ المرام” للحافظ ابن حجر، و”عمدة الحديث” للحافظ عبد الغني المقدسي، و”الأربعين النووية” وتكملتها للحافظ ابن رجب، و”زاد المعاد في هدي خير العباد” و”الصواعق المرسلة على الجهميّة والمعطّلة” و”اجتماع الجيوش الإسلامية” و”القصيدة النونية” و”إغاثة اللّهفان من مكايد الشيطان” لابن القيّم”. ويوصي الشيخ على سبيل التوسّع بمطالعة الكتب الآتية: “فتح المجيد” و”رياض الصالحين” و”الوابل الصيب” و”زاد المعاد” و”جامع العلوم والحكم” للحافظ ابن رجب… وأشباهها من الكتب المفيدة المختصرة..”

ليس في هذه القائمة عنوان واحد في الأدب أو اللّغة أو التاريخ بل ليس فيها من كتب الفرق الإسلاميّة أو الأصولييّن أو الفقهاء الذين عاشوا في الإسلام المبكّر. ويقدّر الشيخ أنّ تحصيل العلم من طريق الرواية قبل الدراية، فالسماع من الشيوخ أجلّ وأنفع من القراءة في الكتب لأنّ السماع من الشيوخ والرواية عنهم ضمينان للتقليد والاتّباع كما هو منتظرٌ. وهكذا يجيب الشيخ أحد سائليه عن قول بعضهم: من كان شيخُه كتابَه ضلّ عن صوابه. فيقول: “إنّ من لم يدرس على أهل العلم، ولم يأخذ عنهم، ولا عرف الطرق التي سلكوها في طلب العلم، فإنه يخطئ كثيراً، ويلتبس عليه الحق بالباطل، لعدم معرفته بالأدلّة الشرعيّة والأحوال المرعيّة التي درج عليها أهل العلم، وحققوها وعملوا بها”. وبناء على هذا التأسيس الفقهيّ لمسألة الكتب والقراءة يفتي الشيخ ابن باز بحرمة بعض الكتب ويضع في ذلك قائمة للممنوعات حوت فيما حوته كتبا لفقهاء مثله. تقول ديباجة الفتوى بعد البسملة والتصلية وفصل الخطاب: “فإنّه لا يخفى كثرة انتشار الكتب التي تحمل العناوين البرّاقة باسم الإسلام وقد تبيّن لي في كثير منها الخطر على عقيدة المسلمين، فرأيت أنّ من الواجب عليّ التنبيه وتحذير القرّاء ممّا يحمله بعضها من الأفكار الهدّامة والعقائد المضلّلة والدعوة إلى التحلّل الخلقيّ. وسوف أوالي إن شاء الله تباعاً نشر أسماء الكتب المذكورة التي يجب منع دخولها إلى المملكة أو طباعتها فيها أو بيعها في المكتبات التجاريّة داخل المملكة نصحاً لله وعباده وحماية للمسلمين من شرّ ما فيها”. وضمت القائمة الأولى جملة من العناوين نورد بعضها (ما بين القوسيْن من تعليقنا )

 

–  تبسيط العقائد الإسلامية، مؤلّفه حسن أيّوب ( مصريّ من علماء الأزهر عمل أستاذا للثقافة الإسلامية بجامعة الملك عبد العزيز ثمّ أستاذا بمعهد إعداد الدعاة بمكّة المكرّمة. له أكثر من 100 شريط كاسيت وفيديو ومجموعة من الكتب في فقه العبادات والعقائد والجهاد منها الكتاب المعنيّ “تبسيط العقائد الإسلاميّة ” )

–  تفسير معاني القرآن، مؤلّفه شبير أحمد عثمان / ترجمة محمد إشفاق أحمد ( شبير أحمد عثمان من جمعيّة أهل الحديث في بريطانيا. ويأخذ السلفيّون على الجمعيّة وعلى رئيسها دعوتهم إلى الديمقراطيّة وإقامتهم علاقات مع برلمانات أوروبيّة واختلاطهم بالنساء والكفّار في هذه الأماكن.)

 – موسم الهجرة إلى الشمال، مؤلّفه الطيب صالح (طبعًا )

 – أبو العلاء المعرّي، مؤلّفه أحمد الطويلي (كاتب تونسيّ مولع بالنشر غزير الإنتاج )

 – خمسة من أبناء النبيّ، مؤلّفه صلاح عزّام (كاتب صحفيّ مصريّ اهتمّ بالكتابة في الفكر الإسلاميّ )
 – الصلاة (مسوّدة)، مؤلّفه يعقوب محمد إسحاق (كاتب وأديب سعوديّ والطريف أنّ التحريم اتّجه إلى المخطوط أصلاً درءا للخسائر الماليّة ورأفةً بالكاتب! )

 – مقدّمات وأبحاث، مؤلّفه محمود عبد المولى (باحث تونسيّ متمرّد على المؤسّسة الأكاديميّة والاجتماعيّة )

 – الإمام السرهندي حياته وأعماله، مؤلّفه أبو الحسن الندويّ ( باحث إسلاميّ هنديّ. قال عنه الشيخ يوسف القرضاوي حين بلغه نعيه إنّه إمام ربّانيّ إسلاميّ قرآنيّ. ومدحه الشيخ محمّد الغزاليّ ومدح توجّهه الأدبيّ في كتاباته الفكريّة التي تذكّر بمحمّد إقبال. مُنح الندويّ جائزة فيصل العالميّة. )

 

هذه عناوين قليلة اقتبستها من قائمة المنع الطويلة. وليس وجه الغرابة في إدراج ابن باز لأسماء من “علماء” الدين وحسب، ولكنّ مكمن الغرابة أيضا في أمور ثلاثة:

 1- تخضع النشريّات في بعض دول العالم الثالث إلى ما يعرف بالإيداع القانونيّ وعبره تعطي السلطة التنفيذيّة ترخيصا بالطبع أو تمتنع عنه. كما أنّ المعتاد أن تضع الدول وعبر أجهزتها الرقابيّة قائمة في الكتب الممنوع دخولها، وحجّتها في كلتا الحالتيْن مخالفةُ هذه الكتب للقوانين أو للأخلاق والأديان.

أمّا أنْ تمارس مؤسّسة دينيّة وظيفة الترخيص أو المنع من التداول لما تراه من الكتب فهذا أمر خطير لأنّه يكشف وبكلّ سفور عن تواطؤ بعض النظم القائمة في المنطقة مع “المراجع” الدينيّة وتخلّيها لفائدتها عن بعض مهامّها القانونيّة والمدنيّة (مؤسّسة الإفتاء وهيأة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في السعودية أو الأزهر في مصر وغيرها) والغاية من هذا الحلف “المقدّس” خنق حرّية التفكير والرأي والتعبير والنشر.

 2- لا يمكن أنْ أفهم كيف ليد الشيخ ابن باز أنْ تطال أعلامًا مجدّدين مصلحين كمحمّد عبده ومحمّد رشيد رضا لتعدّهم من المبتدعة ولا تجرؤ اليد ذاتها على تدعيم قائمة المنع بإضافة أسماء أخرى لزنادقة ومنافقين ومشعوذين ومُقيّنين أيضا ولكنّهم من ذوي السلطان أو يتقلّبون في دوائر السلطان كَبَنِي وطنه أصحاب فضائيّات “اللّحمة الحيّة” أو فضائيّات “حديث خُرافة” التي تكاثرت حتّى لا يحصيها عدّ. أم إنّ التصدّي لخطر الكتّاب والكُتب، ولو كانت لأقلام ذات ميول إسلاميّة تختلف عن وصايا الإمام محمّد بن عبد الوهاب عامّة وميول الشيخ ابن باز خاصّة، أوكدُ وأولى بالمرء المسلم المحتسب ناهيك بالمتصدّي للفتيا والحسبة.

 3- قال ابن تيميّة أحدُ من يستشهد بهم الشيخ ابن باز ويدعو إلى قراءة كتبه (تفسير سورة الإخلاص، المطبعة الحسينيّة، 1323 هـ ص86 ): “هو- يعني ابن قتيبة – لأهل السنّة مثل الجاحظ للمعتزلة فإنّه خطيب أهل السنّة كما أنّ الجاحظ خطيب المعتزلة..”. ولذلك لم يكن مستغربا أن يحمل ابن قتيبة على الفلسفة اليونانية معتبرا إياها ثقافة مستعارة هجينة ويثور على أهل الكلام والاعتزال وينقد الجاحظ. ولكنّه، في النهاية، كان متسامحا فلم يدع إلى إحراق كتب خصومه أو منع الناس من قراءتها ولم يضع برنامجا مقرّرا في الكتب يحكمها الحظر والتحريم والإباحة والندب والكراهة.

 

يعود بنا ما تقدّم إلى عنواننا المسجوع لمقالنا المفجوع: الركاز في صيحة ابن قتيبة وفتوى ابن باز. وقد رمنا به محاكاةً ساخرةً لتقاليد العنونة في ثقافتنا العربيّة، وسوّغ لنا ذلك ما وجدناه في المعاجم من معنى الركاز. وهو دفائن الأرض من معادن وكنوز وغيرها، فاعتبرنا أنّ المخبوء حقّا في مسيرة الرجليْن هو النظام المعرفيّ ووضعيّات الخطاب والذهنيّة العامّة التي كانت تقود كليهما. وقادنا هذا الخبيء إلى أنّ فقهاء المسلمين في عصور تألّقهم واقتدارهم ومقايضتهم الحضاريّة لسائر الأمم كانوا أكثر تسامحا وقبولا بالآخر ورضا بالنقد من فقهاء العصور المتأخّرة الذين جاؤوا وقد خبت الشعلة وحلّ الضعف وكفّ التثاقف وعمّ النكوص.

كانت صيحة ابن قتيبة صيحة الوداع أو إنّها كانت وداعا حزينا لا يفوته حزنا ومأساوية إلاّ وداع رجل آخر قضى صريع الكتب التي نبّه إلى حرمتها الشيخ ابن باز. ذلك كان من ثارات الكتاب، وللكتب، عندهم، آفاتٌ. وهكذا، يقتحم الجاحظ مقالنا، بعد أنْ أهملته قصدا رغم ما في كتابه “الحيوان” وفي مقدّمته تخصيصا من صفحات هي من أجمل وأفضل وأغزر ما قيل في تقريظ الكتاب ومديح الكتابة. أهملته، في مقام المقايسة مع ابن باز، لأنّ الجاحظ مرميّ بنابٍ مشكوك في عقيدته متّهم بالاعتزال. ومهما جهدنا في استبعاده، منذ البدء، فإنّه ما يعتم حتّى يطلّ بعينيْه الجاحظتيْن حاكيا مقالة أستاذه أبي إسحاق النظّام (من الحيوان ص 59 ) لتكون له من دون صاحبيْه الخواتيمُ: “وقال أبو إسحاق: كَلّّف ابنُ يسير الكتبَ ما لا ليس عليها. إنّ الكتبَ لا تُحيي الموتى ولا تحوّل الأحمق عاقلا ولا البليد ذكيّا، ولكنّ الطبيعة إذا كان فيها أدنى قَبول فالكتبُ تشحذ وتفتق وتُرهف وتَشفي. ومن أراد أنْ يعلم كلّ شيء فينبغي لأهله أنْ يداووه!”

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: