إسلام ضدّ الإسلام/ بقلم: مختار الخلفاوي

_al-Qaeda

 

” بعد التوكّل على الله سبحانه وتعالى ، نعلن نحن جماعة جند أنصار الله في أكناف بيت المقدس ، عن ولائنا التامّ للإمارة الإسلاميّة في أكناف بيت المقدس ، بإمارة مولانا الشيخ أبي النور المقدسيّ حفظه الله ورعاه أمير المؤمنين في الإمارة الإسلامية، ونعاهد الله سبحانه وتعالى على السمع والطاعة في المعروف، ونقول لشيخنا أبي النور المقدسيّ، سرْ على بركة الله ، فإنّما نحن سهام في كنانتكم، فارمُوا بنا حيث شئتم، فوالله لن تجدوا منّا إلا جنوداً مخلصين طائعين، ورجالاً أشدّاء ثابتين..”

لم يكن هذا الإعلان إلاّ استجابة لنبوءة نبويّة بأن يصير الأمر إلى أن يكون المسلمون جنودا مجنّدة، جندا بالشّام، وجندا باليمن، وجندا بالعراق.. على أنّ خيرة اللّه من أرضه الشام يجتبي إليها خيرته من عباده كأبي النور المقدسيّ وأتباعه. فلا إسلامَ بلا جماعة، ولا جماعة بلا إمارة، ولا إمارة بلا سمع وطاعة !

ولم يكد الحبر الذي كتب به ” جند أنصار اللّه ” إعلان الولاء للإمارة الإسلاميّة في أكناف بيت المقدس يجفّ حتّى صار ماضيا شاهدا على حالة الحرب الأهليّة التي تنشب، كلّ حين، في هذا العالم العربيّ والإسلاميّ تحت الراية نفسها: الجهاد في سبيل اللّه !

ليلة الجمعة / السبت 14– 15 أوت / آب الجاري كانت ليلة رعب على المواطنين تقاتل فيها أعضاء ” جند أنصار الله ” مع ميليشيات حماس الأمنيّة قتالا انتهى، فجر السبت، بمحاصرة ” المتمرّدين ” في مسجد ابن تيمية وإعدامهم إعداما جماعيّا بما فيهم عبد اللطيف موسى ( أبو النور المقدسيّ ) زعيم الجماعة السلفيّة.

وفي حين سارعت ” الحكومة المقالة ” إلى التنديد بالجماعة ووصفها بالتكفيريّة، ثمّ مرّت إلى مرحلة تالية تحدّثت فيها عن خيوط مؤامرة نسجتها سلطة رام الله لبثّ الفتنة في القطاع، توعّدت، من الجهة المقابلة، جماعات سلفيّة جهاديّة في غزّة بالانتقام لـ ” شهدائها ” وحذّرت المواطنين من الاقتراب من المراكز الأمنيّة والمقارّ الحكوميّة والمساجد التي يرتادها قادة حماس.

وسط هذه الحرب الكلاميّة التي أعقبت الحرب الميدانيّة، لا أجد من يربط بين السعي الحثيث لأسلمة المجتمع الفلسطينيّ في غزّة أو طلبنته على وجه التحديد منذ أن أخذت حماس الأمور بيدها قبل سنتيْن وبين تناسل مثل هذه الجماعات السلفيّة الجهاديّة التي لا تعدو كونها نبتا من غراس تلك التربة ذاتها.

القرائن على طلبنة الوجود الفلسطينيّ في غزّة أكثر من أن تحصى، ولعلّ من شواهدها البارزة التركيز الإعلاميّ على أسلمة مظاهر الحياة الفلسطينيّة في شتّى مناحيها عبر ما تعرضه فضائيّة الأقصى من موادّ إسلامويّة تعبويّة في نشراتها الإخباريّة وبرامجها الحواريّة التي أحدثت بدعة التحاور بين منقّبتيْن لا يُرَى منهما إلا العينان، وفي فواصلها الموسيقيّة التي صارت مقصورة على الأناشيد الدينيّة. بل إنّ نزعة الطلبنة طالت برامج الأطفال التي وصلت إلى حدّ دعوة الصّبْيَة إلى قضاء عامّة يومهم في الاستغفار والعبادة وذكر الله والدعوة للشهداء وتلاوة القرآن وطرد الشياطين والأرواح الشرّيرة من دور عوائلهم !

ينبغي أن لا ننسى أنّ جماعات سلفيّة جهاديّة ذات ولاءات متفاوتة لتنظيم القاعدة مثل «أنصار السنة» أو «السلفية الجهادية» و«جيش الإسلام» و«جيش الأمة» و«كتائب التوحيد والجهاد ” بدأت في التمايز عن حماس منذ أن دخلت حماس الانتخابات التشريعيّة سنة 2006 لاعتقاد هذه الجماعات بعدم جواز الانتخابات شرعا.

وغضّت حماس الطرف عن أنشطة هذه الجماعات التي خرجت من جبّتها، بل واستخدمت بعضها. فمن ينكر أن تنظيم ” جند الإسلام ” بقيادة ممتاز دغمش كان وراء اختطاف الجنديّ الإسرائيلي جلعاد شاليط الذي انقلب إلى ورقة مساومة مهمّة في أيدي حماس، ثمّ تحوّل دغمش إلى ألدّ أعدائها حتّى شنّت عليه وعلى جماعته حربا في خريف العام الماضي بعد أن بدأ أمر الجماعة يستفحل، وبعد أن ورّط حماس باختطاف مراسل البي بي سي ( آلان جونسون ).

لقد خرج أغلب هذه التنظيمات من رحم حماس، ومن تنظيمها العسكريّ القسّام على وجه التخصيص، ثمّ انشقّ عنها ونما، وصارت هذه التنظيمات تشارك، باسمها، في أعمال المقاومة ضدّ الاحتلال الإسرائيليّ. نزار ريّان القيادي في كتائب القسّام الذي قتل في الحرب على غزّة كان من مؤسّسي ” جند أنصار الإسلام “، واشترك مع أبي عبد اللّه المهاجر القائد العسكريّ في جماعة ” جند أنصار اللّه ” في مناورات عسكريّة قبل الحرب على غزّة بأشهر بعلم من السلطات. ” جيش الأمّة” بزعامة إسماعيل حميد ” أبي حفص” الذي كان يطلق على إسرائيل صواريخ القعقاع. جماعة ” سيوف الحقّ” التي ترى أنّ جهادها ليس في محاربة الاحتلال بل في تطهير أرض فلسطين من الفساد والرذيلة، فتبنّت عمليّات تفجير مقاهي الأنترنيت في غزّة، وألقى أحد أعضائها الماء الحارق على وجه فتاة غزّاوية جزاء ” تبرّجها “، فضلا عن جمعيّات ” ثقافيّة ” سلفيّة شأن ” جمعيّة دار الكتاب والسنّة ” التي حوّلت سينما الحرّية في خان يونس إلى مقرّ تضطلع فيه بـ ” الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ” !

إنّ إعلان الإمارة الإسلاميّة في أكناف بيت المقدس التي لم تعمّر إلاّ يوما أو بعض يوم، وما أعقبها من أحداث مسجد ابن تيميّة في حيّ البرازيل جنوب غزّة ليسا إلاّ شاهدا على ارتداد بعض السهام إلى نحرها، وحلقةً في سلسلة الإخفاقات التي تردّى إليها مشروع التحرّر الفلسطينيّ في ظلّ الشعار الأجوف: الإسلام هو الحلّ !

Advertisements

اترك رد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google+ photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google+. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s

%d مدونون معجبون بهذه: